تفريج الهموم والوصول إلى النفس المطمئنة من ثمرات التوبة

تفريج الهموم والوصول إلى النفس المطمئنة من ثمرات التوبة




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد، من الثمرات والنتائج المرتبة على التوبة أن التوبة من أجل العبادات، وأنها من شيم أوليائه الصالحين، وأنها واجبة على كل مؤمن، ولا يستغنى عنها أحد، ولا يكمل أحد ويحصل له كمال القرب من الله ويزول عنه كل مكروه إلا بها.
تنفيس كرباتهم وتفريج همومهم:
ومن آثار التوبة كذلك تفريخ هم التائب، وتنفيس كربه، وإجابة دعائه، وقضاء حوائجه.
وقد حصل ذلك ليونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما دخل في بطن الحوت، ووجد نفسه مضيقًا عليه في ظلمات، فتاب إلى ربه سبحانه وأناب، معترفًا بتقصيره مقرًا بظلم نفسه، خاضعًا لربه تبارك وتعالى أعظم خضوع، مناديًا بهذا الدعاء المبارك، الذي هو من أبلغ صيغ التوبة والاستغفار.[1]
قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87، 88].
يقول الشوكاني في تفسير هذه الآية الكريمة: (قال الحسن وقتادة: هذا القول من يونس عليه السلام اعتراف بذنبه، وتوبة من خطيئته، قال ذلك وهو في بطن الحوت).
ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه، { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}، أي نخلعهم من همهم)[2].
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن دعوة يونس عليه الصلاة والسلام لا يدعو بها مكروب إلا فرج الله كربه.
فقال عليه الصلاة والسلام: (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط؛ إلا استجاب الله له)[3].
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أهمية التوبة والاستغفار وأثرهما في تفريج الهموم، وتنفيس الكروب بقوله صلى الله عليه وسلم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب)[4].
فتنفيس الكرب وتفريج الهم؛ أثر مهم من آثار التوبة إلى الله، وثمرة عظيمة من ثمراتها، فما أحوج العبد إلى التوبة والاستغفار في كل أوقاته.
الارتقاء بالنفس الإنسانية والوصول بها إلى النفس المطمئنة:
اختلف الناس في النفس، هل هي نفس واحدة، وهذه أوصاف لها، أم للعبد ثلاثة أنفس؟ الأولى مطمئنة، والثانية لوامة، والثالثة أمارة بالسوء؟
فإلى القول الأول ذهب الفقهاء والمتكلمون وجمهور المفسرين، ومحققو الصوفية.
وإلى القول الثاني ذهب كثير من أهل التصوف.[5]
(والتحقيق: أنه لا نزاع بين الفريقين؛ فإنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها، فإذا اعتبرت بنفسها فهي واحدة، وإن اعتبرت مع كل صفة دون الأخرى فهي متعددة، وما أظنهم يقولون إن لكل أحد ثلاث أنفس: كل نفس قائمة بذاتها، مساوية للأخرى في الحد والحقيقة، وأنه إذا قبض العبد قبضت له ثلاث أنفس، كل واحدة مستقلة بنفسها)[6].
والقرآن يؤيد ما ذهبت إليه؛ فإنه حين يذكر النفس ويضيفها إلى صاحبها، يذكرها بلفظ الإفراد، فلم تذكر النفس مضافة إلى صاحبها في القرآن الكريم بصيغة الجمع أبدًا، ولا في السنة المطهرة أيضًا.
فلم تذكر ولو في موضع واحد (نفوسك)، أو (نفوسه)، أو (أنفسك)، أو (أنفسه)، وإنما جاءت مجموعة عند إرادة العموم، كقوله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير: 7]، وقوله تعالى: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأنعام: 130]، وقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]
ولو كانت في الإنسان ثلاثة أنفس لجاءت مجموعة إذا أضيفت إليه ولو في موضع واحد.[7]
والنفس تتغير وتتأثر بفعل الطاعات والحسنات، كما تتغير وتتأثر بفعل الذنوب والسيئات، وفي النفس الإنسانية استعداد مزدوج للخير والشر قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]
[1] تفسير أبي السعود 5/83، وفي ظلال القرآن 4/2394.
[2] فتح القدير 3/421.
[3] أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب رقم 82، حديث رقم 3505.
[4] أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب في الاستغفار برقم 1518.
[5] إغاثة اللهفان، ص 1/75.
[6] إغاثة اللهفان، ص 1/67، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية 9/294.
[7] انظر إغاثة اللهفان، ص 1/67.

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
تفريج الهموم والوصول إلى النفس المطمئنة من ثمرات التوبة doc
تفريج الهموم والوصول إلى النفس المطمئنة من ثمرات التوبة pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى