الخوف غير المشروع: الخوف من الشيطان

الخوف غير المشروع: الخوف من الشيطان





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ فيعد الخوف من الشيطان هو الخوف من تهديداته وإغوائه ووساوسه، وقد حَذَّرَ اللهُ تعالى من اتباع الشيطان وأوليائه، لأنهم السبيل الموصل إلى جهنم وبئس المصير، فأولياء الشيطان هم كلُّ مشرك وكافر، وكل من لا يدين بدين الإسلام، فهؤلاء منهيٌّ عن الخوف منهم، فهم لا يملكون الضرَّ، لأن ذلك بيدِ الله تعالى؛ وقد قال النبي: ((يا غلام، إنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أن يضروك بشيءٍ، لا يضروك إلا بشيءٍ قد كَتَبَهُ اللهُ عليك، رُفِعَت الأقلامُ وجفت الصحف))([1]).
فالشيطانُ هو العدو الأزلي للإنسان، فالله سبحانه وتعالى يذكر عداوةَ إبليس - لعنه الله - لآدم وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكةَ بالسجود فسجدوا كلهم إلا إبليس، استكبر وأَبَى أن يسجدَ افتخارًا بنفسه واحتقارًا لآدم؛ فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12].
(فالقلبُ مثلُ الحصنُ، والشيطانُ عدوٌّ يريد أن يدخلَ الحصنَ، فيملكه ويستولي عليه، ولا يقدرُ على حفظَ الحصن من العدو إلا بحراسةِ الحصنِ ومداخله، ولا يقدرُ على حراسةِ أبوابِه من لا يدري أبوابَه، فحمايةُ القلبِ عن وساوس الشيطان واجبةٌ، ولا يتوصل إلى دفعِ الشيطان إلا بمعرفةِ مداخله، ومداخلُ الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهي كثيرة؛ كالغضبِ والشهوةِ)([2]).
ومنها أيضًا الخوف من الشيطان؛ كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، وقدجاء في تفسير الطبري: (يعني بذلك تعالى ذكرُه: إنما الذي قال لكم أيها المؤمنون: إنَّ الناسَ قد جمعوا لكم، فخَوَّفُكُم بجموعِ عدوِّكم ومسيرِهم إليكم منْ فِعْلِ الشيطان، ألقاه على أفواهِ من قالَ ذلكم لكم، يخوِّفُكم بأوليائِه من المشركين، أمثال أبي سفيان وأصحابه من قريش، لترهبوهم وتجبنوا عنه)([3]).
وجاء في تفسير أبي السعود: (فلا تخافوا الناسَ وتقعدوا عن القتالِ وتجبنوا، وخافونِ فجاهدوا معَ رسولِي وسارعوا إلى امتثالِ ما يأمرُكم به، فإن الإيمانَ يقتضي إيثارَ خوفِ اللهِ تعالى على خوف غيره، ويستدعي الأمنَ من شرِّ الشيطان وأوليائه)([4]).
فالقلبُ المؤمن لا يطرقه خوفُ الشيطان، ولا تلوحُ في سمائه وساوسُه، وإذا اقتربَ منه الشيطانُ فسرعان ما يدفعه ذكرُه للهِ عنه؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].
فالشيطانُ متربصٌ بالإنسان، يجري منه مجرى الدم، لا يسعده إلا أن يكون المسلمُ حزينًا كئيبًا خارجًا عن طاعةِ الله سبحانه وتعالى، لذلك يعمل جاهدًا لبثِّ الحزن والقنوط في نفس المسلم إذا قدر على ذلك؛ يقول الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، وكذلك يعمل جاهدًا على بَثِّ بذور الفرقة والنزاع بين المسلمين، لذلك نبَّه اللهُ تعالى على ذلك، آمرًا النبيَّ أن يخبرَ المؤمنين أن يقولوا الكلامَ الحسن، حتى لا يفسحوا للشيطان مجالًا للفساد بينهم.
وقد بشَّرَنَا اللهُ سبحانه وتعالى بأن الشيطان ليس له سلطان ولا هيمنة على المؤمنين؛ فقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65]، وهذا يدل على أن الوسوسة خطيرة، ولا يستطيع إنسانٌ أن يتخطاها إلا بقوة الإيمان والاستعانة بالله، فذلك يدفع الشيطان ويدحره ذليلًا خاسئًا.


الهوامش:
([1]) رواه الترمذي، كتاب أبواب صفة القيامة، (2635)، وقال: حديث حسن صحيح.
([2]) المستخلص، سعيد حوى، ص(138).
([3]) تفسير الطبري، (7/416).
([4]) تفسير أبي السعود، (1/603)، بتصرف.

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الخوف غير المشروع: الخوف من الشيطان doc
الخوف غير المشروع: الخوف من الشيطان pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى