ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن في كتابه الناسخ والمنسوخ

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن في كتابه الناسخ والمنسوخ





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد؛ قال الله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106]، قال الإمام السيوطي: النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها: التيسير[1].

وقال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: "ما ننقل من حكم آية، إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراما، والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ومنسوخ، واصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نفسخه إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيرها، فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية، فسواء إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها، ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها أَأُقِرَّ فترك، أو محي أثرها فعفى ونسي،إذ هي حينئذ في كلتي حالتيها منسوخة"[2].

وقال الحافظ ابن كثير:" معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولخص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر"[3].

وليس في سائر الكتب السماوية مثل ذلك، ولذا كان اليهود ينكرون النسخ، والسر في ذلك أن سائر الكتب السماوية نزلت دفعة واحدة، فلا يتصور أن يجتمع فيها الناسخ والمنسوخ، لأن شرط النسخ أن يتأخر نزوله عن المنسوخ.

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه أعطي خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش:

قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة: 285، 286].

روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح لغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي"[4].

وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات"[5].

قال الإمام السندي[6]: لعل المراد بقوله: أعطي خواتيم سورة البقرة في الإسراء: أي قدر له إعطاؤها، وقيل له: إنها ستنزل عليك، فلا ينافي هذا ا جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: 284] فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأغمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، فقال صلى الله عليه وسلم:" أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟

بل قولو: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير".

قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم[7] ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال: نعم)[8] رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال: نعم) } [البقرة: 286][9].

 

الهوامش:

[1] انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/648).

[2] انظر: تفسير ابن جرير الطبري (1/521).

[3] انظر: تفسير القرطبي(2/300).

[4] أخرجه الإمام أحمد في مسنده (23251)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الصلاة، باب شروط الصلاة، رقم الحديث(1697).

[5] قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم(3/3): المقحمات: بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء، ومعناه: الذنوب المعظظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار، والمراد والله أعلم بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يعذب أصلا، فقد تقررت نصوص الشرع وإجمماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العصاة الموحدين، والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى رقم (173)، والإمام أحمد في المسند رقم (3665).

[6] انظر: شرح السندي على مسند الإمام أحمد (3/275).

[7] في رواية الإمام أحمد في مسنده:"فلما أقر بها القوم".

[8] في رواية أخرى في صحيح مسلم رقم (126): قال الله: قد فعلت.

[9] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، رقم(125)، والإمام أحمد في مسنده، رقم(9344).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن في كتابه الناسخ والمنسوخ.doc doc
ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أن في كتابه الناسخ والمنسوخ.pdf pdf

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى