إلى مقام الحمد والثناء... د. فريد الأنصاري

إلى مقام الحمد والثناء... د. فريد الأنصاري




إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛...
ما أجمل النخل بين يدي مولاه، وما أجمل حركته وهو يعود الهويني، ليستقيم واقفًا في أدب تام،.. ينثر خفقات المحبة حمدًا، وثناء على الله، اعترافًا بجميل العطاء، في مشاهدة آيات العظمة، ركوعًا عند عرش الرحمن.

كانت تجليات المقام أبهى من أن تحصيها حمدًا تذوقات قلب ضعيف الجناح، سبحانك سيدي، ومن يحصي ثناء عليك؟ بل أنت كما أثنيت على نفسك.
وتسلم كمال الحمد لربك رافعًا:
"سمع الله لمن حمده"[1].

فتستقيم قائمًا، وفؤادك يبتهج رجاء في سماع الله لخفقات الحمد؛ من عابد محدود بالزمان والمكان، شكرًا لمن أحاط فضله وكرمه بالزمان والمكان، ويفيض الرجاء دعاء تتشكل أنواره قناديل ذات ألوان:
 "ربنا ولك الحمد"[2].

ويمضي النبي الكريم يرسم علامات النور، هداية للمتعبدين، الممتثلين لأمر الله، في اتباع إشارات الإمام:
"... وإذا قال: (سمع الله لمن حمده)؛ فقولوا: (ربنا ولك الحمد)؛ يسمع الله لكم، فإن الله تبارك وتعالى قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: (سمع الله لمن حمده)[3].

وتبرق آفاق الأرض بعبارات الحمد، محلقة في الفضاء، حتى تتوافق مع أنوار الحمد النابضة في السماء، فتزداد حسنًا وجمالا، ثم تتشكل غيمة من نور، تنهمر مطرًا يغسل المصلين، من درن مسيرة العمر كله.. وتتاسبق الأنفاس بالحمد؛ لجني عناقيد الاتفاق، أوليس "من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"[4]. وتعتدل الأغصان مستقبلة، وهي تزرع دفء الاطمئنان في فروعها، حتى ترجع الأنفاس إلى انسيابها الهادئ الجميل، لاهجة بالدعاء والثناء، قال معلم السالكين: "وإذا رفعت فأقم صلبك، وارفع رأسك، حتى ترجع العظام إلى مفاصلها"[5].

فيا صاح افتح أقواس المقام، حمدًا لله بتملي ملكوت الله، فإن أدب العبودية يقتضي المكوث ببابه حتى يأذن بالانصراف[6]، ولتطو المسافات إلى شجر الثناء، بتكثير الحمد على فضله وإكرامه، فاللهم "ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"[7]، واللهم ربنا ولك الحمد "ملء السماوات، وملء الأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"[8].

ويملأ الحمد الكون كله طيبًا، مباركًا، بأنوارك يا سيدي، فإنما الحمد ما حمدت به نفسك، وإنما الثناء ما أثنيت به على جمالك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، ولا أهل لذلك إلا أنت.

هذي كلمة الحق الكاشفة، تكشف عن واقع الفقر المطلق إلى الله، وإنها لأحق ما تعبد به العبد داعيًا: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت" فمنك الفضل كله، ولا منة لأحد سواك، فماذا يفيد بعد ذكل المحظوظ حظه؟ وأي حظ خارج فضلك وإنعامك؟ سبحانك، سبحانك، لك الحمد كل الحمد.

كانت الكلمات جملة ثانية في مملكة الله، تكتسي فيها الأغصان – وهي قائمة بهاء الألطاف الرحمانية، وبهجة السناء الربيعية، من أثر مشاهدة تجليات الحمد والثناء، فتنفتق البراعم الريانة زهورًا، ذات أريج من مسك الأسماء الحسنى، فإذا قلبك جنة ذات أزهار وأطيار، تخفق بتسبيح الواحد القهار.

هذا الوارد الفياض من نور الله، يغمر مقامك الساعة بمزيد العطاء والإفضال، فتحس بالتصدع في غصنك؛ عجزًا عن مقابلة كل عطاء بشكر، وكل إنعام بحمد. ويغلبك بحر الجود الرباني، الممتد امتداد بقائه، ودوامه سبحانه وتعالى، فتملؤك الرغبة في الحمد خرًا إلى الأرض ساجدًا، ومن ذا يرى مدد الله الغيداق؛ فلا يهبط من خشية الله؟

ولفضل الله أعظم من أن يحاط بشكر؛ فاملأ عينيك يا عابد: بجمال قنديل النبوة، المستمد نوره من مشكاة الله؛ تر كلمات الله في الحديث القدسي –ترسم عظمة فضله – وإنعامه سبحانه، أبحرًا من نور متدفق أبدًا:

" يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ
يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ
يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ
يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ
يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَه"[9].
كان الفضل أعظم مما يحصيه الطير تغريدًا وتفريدًا، وكانت النعمة أطيب مما تنثره زهورك حمدًا وثناء.
فيا مولاي، أكرمني بأن أخر ساجدًا بين يديك، فإن فضلك الذي لا يحصى؛ زرع حدائقي بزيتونة مباركة، ما تزال يشهد زينتها النابض في قنديل الهداية، الموقد بين جوانحي، بحقك العظيم علي إلى يوم القيامة.

هذا الشوق الوهاج يهب على رياحًا مباركة، تعطف غصني المتجرد أمامك من أوراق الأغيار والاستكثار، سبحانك سيدي، نورك ما زال يدق بقلبي: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]، فأذن لي أن أوقد مقامي الأقرب، على بساط التراب، فلا طريق أقرب إلى المقامات العليا من طريق المتربين، تذللًا تحت نور عزتك وجلالك، وتنزيهًا لذاتك وجمالك، وحمدًا لعظيم كرمك وإفضالك.

الهوامش:
[1] (474) (690)، متفق عليه، البخاري:مسلم:
[2] متفق عليه، البخاري: (690)، مسلم: (474)
[3] رواه مسلم (474)
[4] متفق عليه، البخاري: (782)، مسلم: (409)
[5] متفق عليه
[6] وكان صلى الله عليه وسلم بعد الرفع من الركوع "يقوم أحيانًا حتى يقول القائل: قد نسى من طول ما يقوم". متفق عليه.
[7] رواه البخاري، (799).
[8] رواه مسلم، (471).
[9] رواه مسلم، رقم: (2577).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
إلى مقام الحمد والثناء... د. فريد الأنصاري doc

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى