التعظيمُ المشروعُ للأماكن بمكةَ المكرمةِ 1

التعظيمُ المشروعُ للأماكن بمكةَ المكرمةِ 1





  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ اختصَّ اللهُ تعالى البلدِ الحرامِ وَفَضْلُه بأماكنَ معظَّمَةٍ، وَمقاماتٍ مباركةٍ، وَمشاعر مقدسةٍ، وَآياتٍ بينَةٍ، مما يزيدُه تشريفًا وَتعظيمًا وَإكرامًا، وَقدْ جاءت النصوصُ الشرعيةُ مِنَ الكتابِ وَالسنةِ مبينةً فضل هذِه المواقعَ المباركةِ وَأحكامِها، وَموضحةً الطرق المشروعة لتعظيمِها وَكيفية التعبدِ للهِ - عز وجل – عندها([1]).

  حيثُ افترضَ علينا شعائرَ لنقيمَها فِي هذه المشاعرَ، وَالمقصودُ بالمشاعر: مواضع مناسِكِ الحَجِّ، وَالمعالمُ التِي نَدَبَ اللهُ إليها، وَأَمَرَ بالقيامِ بها، وَهي جمعُ مَشْعَر، وَمِنْهَا سُمي الـمَشْعَرُ الحرامُ بمزدلفةَ، لأنَّه معلمٌ وَموضعٌ للعبادةِ.

  وَأمَّا الشعائر فهي أعمالُ الحجِّ وَمناسكُه وَعلاماتُه، جَمْعُ شعيرةٍ كالوقوفِ بعرفةَ، وَالطوافِ، وَالسعي، وَالرمي، وَنحو ذلك، وَكذَا كُلُّ مَا جُعِلَ علمًا لطاعةِ اللهِ يُسمى شعيرةً([2]).

  واللهُ - عز وجل - أَمَرَنَا بتعظيمِ مشاعره وَشعائِرِه؛ فقَالَ تَعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 30، 32].

  يقولُ الشيخُ ابنُ سعدي: (تعظيمُها يكونُ إجلالًا بالقلبِ، وَمحبتَها، وتكميلَ العبوديةِ فيها، غير متهاونٍ، وَلا متكاسلٍ وَلَا متثاقلٍ، فتعظيمُ شعائر اللهِ صادرٌ مِنْ تقوى القلوبِ، فالـمُعَظِّمُ لها يبرهنُ على تقواه وَصحةِ إيمانِه، لأنَّ تعظيمَها تابعٌ لتعظيمِ اللهِ وَإجلالِه)([3]).

الأماكنُ وَالمقاماتُ التِي وَقَفَ بها النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - على ثلاثةِ أقسام:

  الأول: مَا كانَ مِنْ آثارِه وَمَقاماتِه التِي لَمْ يكنْ يقصدُها للعبادةِ كصلاتِه فِي أسفارِه.

  فالمشهورُ عَن العلماءِ فِي هذِه المسألةِ قولان:

  1- النهيُ عَنْ ذلكَ وَكراهتُه، وَأنَّه لا يستحبُّ قصدَ بقعةٍ للعبادةِ، إلَّا أَنْ يكونَ قصدُها للعبادةِ مما جاءَ بِهِ الشرعُ، مثلُ مقامِ إبراهيمَ.

  2- أنَّه لَا بأسَ باليسيرِ مِنْهُ([4]).

  الثاني: وَأمَّا مَا كَانَ مِنْهَا أَنَّهُ قَدْ تَرَكَهُ كغارِ حِراء، وَغارِ جبلِ ثور؛ فإنَّ النبيَّ - صلى اللهُ عليه وسلم - لم يشرعْ لأمتِه السفرَ إليه وَزيارتَه والصلاةَ فيه وَالدعاءَ.

  وَلذلك لَمْ يكنْ أحدٌ مِنَ الصحابةِ يلتفتُ إلى شيءٍ مِنْ ذلكَ، وَكانوا أعلمَ بسنتِه وَأرغبَ فيها ممن بَعْدَهُم.

  قَالَ ابنُ تيمية: (فَلَمَّا لم يكونوا يلتفونَ إلى شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ عُلِمَ أنَّه مِنَ البدعِ الـمُحدثةِ، التِي لَمْ يكونوا يعدُّونَها عبادةً وَقربةً وَطاعةً، فَمَنْ جَعَلَهَا عبادةً وَقُربةً وَطاعةً فَقَدْ اتَّبَعَ غيرَ سبيلِهم، وَشَرَعَ مِنَ الدينِ مَا لَمْ يأذنْ بِهِ اللهُ)([5]).

  (وَحَجَّ - صلى اللهُ عليه وسلم - وَمَعَهُ جماهيرٌ مِنَ المسلمين، فَلَا هوَ وَلَا أحدٌ مِنْ أصحابِه يأتي غارَ حراء، وَلَا يزورُه، وَلَا شيئًا مِنَ البقاعِ التِي حولَ مكةَ)([6]).

  (وَالمسجدُ الحرامُ هوَ المسجدُ الذي شُرِعَ لنا قصدُه للصلاةِ وَالدعاءِ وَالطوافِ، وَغيرِ ذلك مِنَ العباداتِ، وَلَمْ يُشْرَعْ لنا قصدُ مسجدٍ بعينِه بمكةَ سِوَاه، وَلَا يصلحُ أَنْ يُجْعَلَ هناك مسجدٌ يزاحمُه فِي شيءٍ مِنْ تلكَ الأحكامِ، وَمَا يفعلُه الرجلُ فِي مسجدٍ مِنْ تلكَ المساجد مِنْ دعاءٍ وَصلاةٍ وَغيرٍ ذلك إذا فَعَلَهُ في المسجدِ الحرامِ كانَ خيرًا له، بلْ سنةٌ مشروعةٌ، وَأَمَّا قصدُ مسجدٍ غيره هناك تحريًا لفضلِه فبدعةٌ غيرُ مشروعةٍ)([7]).

  الثالثُ: مَا كانَ منها بعدَ البعثةِ، وَقَدْ قَصَدَهُ للعبادةِ عندَه، كتقبيلِ الحجرِ الأسود، وَاتخاذِ مقامِ إبراهيمَ مُصلَّى، وَوقوفِه بعرفةَ، ونحوها مِنَ الأماكن الواردةِ فِي السنةِ، فإنَّ الصحابةَ - رضيَ اللهُ عنهم - قَدْ عَمِلُوا مثلَ عَمَلِه عندَ تلك المقاماتِ وَالأماكن بِقَصْدِ التعبدِ للهِ وَالاتباعِ لرسولِه - صلى اللهُ عليه وسلم -.

  وَسأذكرُ فيما يلي هذه الأماكنَ التي شرعَ اللهُ - عز وجل - لنا تعظيمَها في مكةَ المكرمةِ، مبينًا فضلَها باختصارٍ:

1- المسجدُ الحرامُ:

  وَهوَ أولُ مسجدٍ وُضِعَ فِي الأرضِ، وَهُوَ أعظمُ المساجد وَأفضلُها.

  فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ))([8]).

  وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تعالى المسجدَ الحرامَ فِي كتابِه الكريمِ فِي خمسةَ عَشَرَ موضعًا، وَأمَّا المرادُ بِهِ فَإِنَّ لَهُ استعمالاتٍ وَمعاني عديدةً([9]).

  وَالمسجدُ الحرامُ يحوي مواضعَ مباركةً سأذكرُها فيما يلي مِنَ الأماكن الـمُعَظَّمَةِ.

2- الكعبةُ:

  وَهي بيتُ اللهِ الحرامُ، وَقِبْلَةُ المسلمين، أَذِنَ برفعِها، وَأَمَرَ خليلَه إبراهيمَ ببنائِها، خَصَّهَا بخصائص عظيمةٍ، مِنْ ذلكَ ربطُها بركنين مِنْ أركانِ الإسلامِ هُمَا الصلاةُ والحجُّ، فَلَا تصحُّ صلاةٌ دونَ استقبالِها، وَلَا يتمُّ حَجُّ مسلمٍ حتى يطوفَ بِهَا؛ قَالَ تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144].

  وَقَالَ تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].

  وَلَمْ يأذنٍ اللهُ تعالى لأحدٍ بالطوافِ على بنيانٍ غير الكعبةِ، وَجَعَلَ ذلكَ ركنًا على الحاجِّ وَالمعتمرِ، فلا يصحُّ الحجُّ وَالعمرةُ إلَّا بالطوافِ حولَ الكعبةِ.

وَفيما عدا الحجِّ وَالعمرةِ رَغَّبَ فيها الشارعُ، وَرَتَّبَ عليها أجرًا عظيمًا، فعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ - رضيَ اللهُ عنه - قَالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - يقولُ: ((مَنْ طَافَ سَبْعًا فَهُو كَعَدْلِ رَقَبَةٍ))([10])، وَقَدْ وَرَدَتْ أحاديثُ أخرى فِي فضلِ الطوافِ([11]).

  كَمَا أوجبَ الشارعُ علَى كُلِّ أحدٍ أَرَادَ الخروجَ مِنْ مكةَ أَنْ يطوفَ بالكعبةِ طَوافَ الوداعَ([12])، وَحَذَّرَ أيضًا مِنْ مَنْعِ الطائفين حَوْلَ الكعبةِ مَتَى شاءوا([13]).

  وَالطوافُ حولَ الكعبةِ شعيرةٌ تعبديةٌ نقومُ بِهَا إيمانًا بربنَا وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نبيِّنَا - صلى اللهُ عليه وسلم - وَإنْ لَمْ ندركْ حكمةَ ذلك، لكنَّه طبقًا للعلمِ الحديثِ يرمزُ إلى سِرٍّ عظيمٍ مِنْ أسرارِ الكونِ يقومُ على شهادةِ التوحيدِ للهِ، تلبيةً للنداءِ الإلهيِّ الذي أُمِرَ بِهِ إبراهيمُ الخليلُ - عليه السلام -، أَنْ يُؤَذِّنَ فِي الناسِ بالحجِّ؛ مصداقًا لقولِه تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26، 27].

  فَكَأَنَّ الكعبةَ المشرفةَ مركزٌ للجاذبيةِ الروحيةِ التِي ينبغي أَنْ تكونَ بَيْنَ العبدِ المؤمنِ وَبَيْنَ بَيْتِ اللهِ العتيقِ، هذا البيت الذي يستقبِلُه المسلمون وَيتجهون إليه فِي صلاتِهم خمسَ مراتٍ على الأقلِ كُلَّ يومٍ وهمْ بعيدون عنه، وَهذِه الجاذبيةُ الروحيةُ هي القوةُ الخفيةُ التِي تجعلُ كُلَّ قادمٍ يطوفُ حولَ الكعبةِ بمجردِ الوصولِ إليها([14]).

  وَتأكيدًا لحرمةِ الكعبةِ وَتعظيمًا لمكانتِها نهى النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - عَنْ اسقبالِ الكعبةِ أوْ استدبارِها عِنْدَ قضاءِ الحاجةِ؛ فعنْ أبي أيوب الأنصاري - رضيَ اللهُ عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم -: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الكَعْبَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا))([15]).

  كَمَا وردَ النهيُّ فِي بعضِ الأحاديث عَنْ التَّفْلِ تُجَاهَ الكعبةِ تعظيمًا لمكانتِها([16]).

  وَتُسْتَحَبُّ الصلاةُ داخلَ الكعبةِ لِمَنْ تَيسرَ لَهُ ذلك، فَلَقَدْ دَخَلَهَا رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - يومَ الفتحِ وَصلَّى فيها ركعتين([17])، أما الأحاديثُ الواردةُ فِي فضلِ الصلاةِ بِدَاخِلِها فهيَ ضعيفةٌ([18]).

  وَتحوي هذه الكعبةُ المباركةُ على مواضعَ معظمةٍ ستأتي تِبَاعًا فيمَا يلي.

3- الحَجَرُ الأسود:

  وَهوَ مِنَ الآياتِ البيناتِ فِي المسجدِ الحرامِ، وَقَدْ وَرَدَتْ عدةُ أحاديثَ تثبتُ بأنَّه مِنَ الجنةِ، وَأنَّه كانَ أَشَدَّ بياضًا مِنَ اللبنِ، وَلكنْ سوَّدتْهُ خطايا بني آدم، منها حديثُ ابنِ عباس: (نَزَلَ الحجرُ الأسودُ مِنَ الجنةِ وَهوَ أشدُّ بياضًا مِنَ اللبنِ فسوَّدتَهْ ُخطايا بني آدم)([19]).

وقد بَّينَ النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - ثوابَ منَ مسحَ الحجرَ الأسود؛ فقدْ جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عمرَ قائلًا: ((يا أبا عبدِ الرحمن، إنَّك تزاحمُ على الركنين زحامًا ما رأيتُ أحدًا مِنْ أصحابِ النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلم - يزاحمُ عليه؛ فقالَ: إنْ أفعلْ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ – صلى اللهُ عليه وسلم - يقولُ: إنَّ مسْحَهُما كفارةٌ للخطايا))([20]).

كمَا بيَّنَ - صلى اللهُ عليه وسلم - أنَّ الحجرَ الأسود يشهدُ لِمَنْ استلمَه بحق، فعنْ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الحَجَرِ: ((وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ))([21]).

  وَيُسَنُّ للطائفِ التكبيرُ كلما مرَّ على الحجرِ الأسود عنْ بدايةِ كلِّ شوطٍ، كمَا يُسَنُّ تقبيلُه إنْ أمكنَه، وَإلَّا استلامُه بيدِه وَمسحُه مسحًا ثمَّ يقبِّلُ يدَه، أوْ استلمَه بعصا وَقَبَّلَ مَا وصلَ إليه، وَإلَّا أشارَ بيدِه عند عدمِ القدرةِ على التقبيلِ أوْ الاستلامِ، أو خشية الإيذاءِ للآخرين وَيُكبِّرُ مع ذلكَ كلِّه([22]).

يفعلُ هذا اتباعًا لسنةِ النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلم -، معتقدًا بأنَّ الحجرَ لا يضرُّ وَلا ينفعُ، ولهذا قالَ عمرُ الفاروقُ - رضيَ اللهُ عنه - حينَ قبَّلَ الحجرَ: (إنِّي أعلمُ أنَّك لا تضرُّ ولا تنفعُ، وَلولا أنِّي رأيتُ النبيَّ - صلى اللهُ عليه وسلم - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ)([23]).

  وقدْ أفردَ بعضُهم الحجرَ الأسود بالتصنيفِ([24]).

4- الركن اليماني:

  ومنَ الأماكن العظيمةِ مِنَ الكعبةِ المشرفةِ في بيتِ اللهِ الحرام: الركنُ اليماني، فقدْ كانَ النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - يستلمُه وَيمسحُه بيدِه الشريفةِ، كمَا سبقَ في حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: ((إنَّ مسْحَهُما كفارةٌ للخطايا))([25]).

  وقدْ اتفقَ الفقهاءُ على استحبابِ استلامِ الركنِ اليماني بمسحِه بالكفين أوْ باليمين، اتباعًا لهدي النبيِّ - صلى اللهُ عليه وسلم -، أمَّا تقبيلُه ففيه خلافٌ بينَ العلماءِ، وَالجمهورُ على عدمِ تقبيلِه([26]).

  وَيقولُ ابنُ القيمِ عَنْ فضلِ الحجرِ الأسود وَالركنِ اليماني: (ليسَ على وجهِ الأرضِ موضعٌ يشرعُ تقبيلُه واستلامُه، وَتُحَطُّ الخطايا وَالأوزارُ فيه غيرَ الحجرِ الأسود وَالركنَ واليماني)([27]).

5- الحِجْر:

  بالكسرِ: اسمُ الحائطِ المستديرِ الواقعِ شمالَ الكعبةِ، وهوَ ما بينَ الركنِ الشامي والغربي([28])، وَهوَ جزءٌ مِنَ الكعبةِ، حيثُ أنَّ قريشًا قصرتْ بها النفقةُ فلمْ يحصلْ البناءُ على قواعدِ إبراهيمَ كاملةً، وَحُجِرَتْ على مواضع أساسِ إبراهيمَ، وَقيلَ: لذلكَ سُمي حِجْرًا.

  وَمِنَ الخطأِ تسميتُه: "حِجْر إسماعيل"؛ حيثُ يظنُّ بعضُهم أنَّ إسماعيلَ بن إبراهيمَ - عليهما السلام - مدفونٌ في الحِجْرِ، ولا يثبتُ في هذا شيءٌ([29]).

  وَقدْ أوضحَ النبيُّ - صلى اللهُ عليه وسلم - مقدارَ هذا الحِجر، فعنْ عائشة - رضيَ اللهُ عنها - قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم -: ((إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ))([30]).

  وعلى هذا؛ فمنْ صلَّى في الحِجْرِ فقدْ صلَّى داخلَ الكعبةِ([31]).

6- الملتزم:

  بضمِّ الميمِ وفتحِ الزاي، وهوَ مَا بينَ بابِ الكعبةِ وَالحَجَرِ الأسود، كمَا حدَّثَ بذلكَ ابنُ عباس حيثُ قالَ: (هذا الملتزمُ بينَ الركنِ وَالبابِ)([32])، وَيُقالُ له: المدعا وَالمتعوذ([33]).

  يقولُ الإمامُ النووي - رحمهُ اللهُ -: (وَقَدْ وردَ أَنَّ الرسولَ - صلى اللهُ عليه وسلم - أقامَ بينَ الركنِ وَالبابِ، فوضعَ صدرَه وَوجهَه وَذراعيه وَكفيه وبسطَهما بسطًا، وقدْ روي هذا الحديثُ مِنْ طريقين ضعيفين)([34]).

وممن ثبتَ أنَّه كانَ يفعلُ ذلكَ ابنُ عباس([35]).

  يقولُ الإمامُ ابنُ تيمية - رحمهُ اللهُ -: (وَإنْ أَحَبَّ أنْ يأتيَ الملتزَم، وَهوَ مَا بينَ الحَجَرِ الأسود وَالبابِ، فيضعَ عليه صدرَه وَوجهَه وَذراعيه وَكفيه وَيدعو، وَيسألُ اللهَ تعالى حاجتَه؛ فَعَلَ ذلكَ، وَله أنْ يفعلَ قبلَ طوافِ الوداعِ، فإنَّ هذا الالتزام لا فرقَ بينَ أنْ يكونَ حالَ الوداعِ وَغيره، وَالصحابةُ كانوا يفعلون ذلكَ حينَ يدخلون مكةَ)، ثمَّ ساقَ ابنُ تيمية الدعاءَ المأثورَ عنْ ابنِ عباس عندَ الملتزم([36]).



([1]) انظر: البلد الحرام فضائل وأحكام، إعداد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى، ص(49).

([2]) انظر: الصحاح، الجوهري، ولسان العرب، ابن منظور، (ش ع ر).

([3]) تيسير الكريم المنان، عبد الرحمن السعدي، (486-487)، باختصار.

([4]) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/750).

([5]) المصدر السابق، (2/807).

([6]) المصدر السابق، (2/806).

([7]) المصدر السابق، (2/811).

([8]) رواه البخاري، (6/407، 458)، واللفظ له، ومسلم، (1/370).

([9]) انظر هذه الاستعمالات والمعاني في الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف، ابن ظهيرة، ص(176-177)، وتهذيب الأسماء واللغات، النووي، (4/152).

([10]) رواه النسائي في سننه، (5/221)، والطبراني في الكبير، (2/392)، وصححه الألباني، (2732).

([11]) انظر: فضائل مكة الواردة في السنة، الغبان، (2/608-645).

([12]) في عدة أحاديث؛ منها: حديث ابن عباس، رواه البخاري، (3/585).

([13]) في عدة أحاديث؛ منها: حديث جبير بن مطعم، رواه أبو داود، (1894)، والترمذي، (868)، وقال: (حسن صحيح)، والحاكم، (1/448)، وصححه ووافقه الذهبي.

([14]) من مقال بعنوان: "الحاج يطوف والكون يطوف أيضًا"، د.أحمد فؤاد باشا، ضمن نشرة التوعية الإسلامية في الحج لعام 1424هــ، ص(13).

([15]) رواه البخاري، (1/245)، (1/498)، ومسلم، (1/224).

([16]) انظر الأحاديث في فضائل مكة الواردة في السنة، الغبان، (2/582).

([17]) رواه البخاري، (3/463)، ومسلم، (2/966).

([18]) انظرها في: فضائل مكة الواردة في السنة، الغبان، (2/674-677).

([19]) رواه الترمذي، (3/226)، وأحمد في مسنده، (1/373، 329، 307)، وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (694).

([20]) رواه أحمد في مسنده، (2/11، 89)، والنسائي في الكبرى، (2/403)، وصححه الألباني، (2732).

([21]) رواه الترمذي، (3/94)، وابن ماجه، (2/982)، وأحمد في مسنده، (1/247، 266)، والحاكم في المستدرك، (1/457).

([22]) البلد الحرام فضائل وأحكام، إعداد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى، (59)، وللتوسع انظر: فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، سائد بكداش، ص(53-65).

([23]) رواه البخاري، (3/462)، ومسلم، (2/925).

([24]) من ذلك: كتاب العلم المفرد في فضل الحجر الأسود، ابن علان الصديقي، ص(1057)، ورسالة في الكلام على الحجر الأسود لأحمد الفيومي الأزهري، وهما مخطوطان، أما المطبوع فهو كتاب: فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، سائد بكداش.

([25]) الحديث سبق تخريجه، وهذا لفظ الإمام أحمد.

([26]) ينظر: المجموع، النووي، (8/34)، كشف القناع، منصور بن يونس البهوتي، (2/479)، فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم، سائد بكداش، ص(79-84).

([27]) زاد المعاد، ابن القيم، (1/48).

([28]) انظر: النهاية، (1/341)، وأخبار مكة، الأزرقي، (1/341).

([29]) انظر: معجم المناهي اللفظية، بكر أبو زيد، ص(226).

([30]) رواه مسلم، (1/971).

([31]) انظر: الأحاديث الواردة في فضل الصلاة في الحجر في: فضائل مكة، الغبان، (2/742-744).

([32]) رواه عبد الرزاق في المصنف، (5/76)، وإسناده صحيح، وأرده الفاكهي في أخبار مكة، (1/160).

([33]) شفاء الغرام، الفاسي، (1/262).

([34]) المجموع، النووي، (8/259-260).

([35]) انظر الآثار في ذلك: مصنف عبد الرزاق، (5/73-76)، ومصنف ابن أبي شيبة، (3/236-237)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، (2137).

([36]) مجموع فتاوى ابن تيمية، (26/142)، وانظر: المغني، ابن قدامة، (3/462-463).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
التعظيمُ المشروعُ للأماكن بمكةَ المكرمةِ 1.doc doc
التعظيمُ المشروعُ للأماكن بمكةَ المكرمةِ 1.pdf pdf

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى