المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة في كتب"المناسك"

المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة في كتب"المناسك"



المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة في كتب"المناسك"

          قدم معالي الدكتور لهذا الفصل بمقدمة مختصرة لا تتجاوز سبعة أسطر ابتدء بقوله:

          "اهتمت كتب المناسك عموما ومؤلفات الفقهاء المكيين خصوصا بذكر الأماكن المأثورة في مكة المكرمة مما له علاقة بالرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو بحدث من الأحداث الإسلامية المهمة، أو ذي علاقة بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نقل بالتواتر من الصدر الأول للإسلام، واستمر نقله ومعرفته حتى العصر الحاضر، وضع الفقهاء رحمهم الله تعالى لهذه الأماكن التاريخية المأثورة في مكة المكرمة ألية علمية لفحصها وإثبات صحتها، وذلك بتحديد مواضعها، ومقاساتها بأدوات القياس لديهم ذرعا، وضعوا لها عناوين مختلفة مناسبة يبدوا واضحا عليها الصنعة الفقهية بذكر الأحكام الشرعية المناسبة لها، والأداب التي ينبغي للزائر أن يلتزمها عند حضوره عندها، من الصعب استقصاء هذه الكتب، ولكن يتم اختيار مجموعة لؤلفين لهم شهرتهم في السوط العلمين ينتج من سرد بعضها الاقتناع بالتواتر العلمي الفقهي"[1].

          ولقد اشتملت هذه المقدمة على صغرها ما يلي من المغالطات:

          المغالطة الأولى: قوله عن الأماكن التاريخية بمكة:" مما نقل بالتواتر من الصدر الأول للإسلام استمر نقله ومعرفته حتى العصر الحاضر"[2].

          ومن يقرأ كتاب معالي الدكتور يجده قد كرر هذه المسألة وهي دعوى التواتر لهذه الأماكن في أكثر صفحات الكتاب وجعلها عنوانا لكتابه، فهو يريد أن يقنع القارئ بأن هذه القضية متواترة لا تقبل النقاش، وأخذ يكرر ويعيد فهيا، ويحسب أن ما ذكره من نصوص تفي بالغرض، وأن هذه القضية من المسلمات.

          وعند التأمل في هذه الدعوى نجد أنها دعوى عارية عن الدليل، بل الصواب خلافها، والدليل على ما أقول ما يلي:

          1- إن حد التواتر عند أهل العلم: ما رواه جمع عن جمع من مبدأ السند إلى منتهاه بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب وكان منتهى إسنادهم الحس، فإذا أردنا أن نطبق حد التواتر على هذه المسألة لم نستطع ذلك ولا يكون، بل بإقرار معالىي الدكتور وهو لا يشعر إذ يقول:" بداية التدوين رسالة التابعي الجليل"[3] وهو واحد من طبقته فأين التواتر إذن؟ مع أن ذكره الحسن رحمه الله هو عن مواضع بداخل المسجد الحرام، وكذلك المشاعر وهي ثابتة بالدليل، أما ما عداها من المواطن والذي نقلها عن المؤرخين والفقهاء فبشاهدتهم أنهم يقولون: بعضها لا يدري مكانه، وبعضها قد اندثر، وهكذا، فأين التواتر إذا كانت عندهم قد اندثرت، أو لا تدرى؟

          2-أن بعضها مختلف فيه وذلك كمولد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر العلماء في هذه المسألة أربعة أقوال ولم يكن بينها ترجيح قول بدليل صحيح، فانظر ما ذكره معالي الدكتور نفسه عن مؤلفات السيرة[4] عندما حكت مكان ولادته، ثم راجعها في مظنها تجد أنهم يحكون الأقوال بلا ترجيح، وأن ما قرره في بحثه تحكم منه بلا دليل.

          3-أنه أطلق حكم التواتر على جميع الأماكن ولم يميز بينها، والصحيح أن منها ما هو متواتر كالمقام والحجر الأسود وعرفات، ومنها ما هو مختلف فيه كبيت مولده صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لا يدرى عنه كمولد حمزة رضي الله عنه، والتعميم في مقام التفصيل تضليل وتلبيس.

          4-أنه لم ينقل عن أحد قبله من المحدثين أو أهل هذه الصنعة إطلاق التواتر على الأماكن التاريخية حتى جاء معالي الدكتور فأطلق هذا الحكم، فليته ذكر عمن أخذ هذا التواتر وخاصة إذا علمنا أن معالي الدكتور فقيه وليس بمحدث؟ فما أدري هل وجد عن أحد منهم الحكم بالتواتر؟ فكان عليه إذن أن يذكر ذلك، أم أنه درس وجمع الطرق فكان عليه أن يبين، أم أنه أطلقها جزافا فعليه أن يعترف بخطئه ويصحح المعلومة حتى لا يضل بسببه أحد.

          5- إن من يقرأ هذه الرسالة التي سطرها معالي الدكتور يجد أن مقصوده من الأماكن هو موضع مولد النبي صلى الله عليه وسلم فهو عندما يعمم التواتر على جميع الأماكن، وفيها ما هو متواترا مثل كالكعبة مثلا، سيسحب حكم التواتر عليه وليس الأمر كذلك، وبهذا الصنيع يفهم القارئ عندها أن مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم متواتر، وهذا تدليس وتزوير للحقائق العلمية، لأن مولد النبي صلى الله عليه وسلم بالذات اختلف فيه على أربعة أقوال كما ذكرنا سابقا[5].

          يقول الشيخ حمد الجاسر رحمه الله وهو المتخصص في هذا الشأن:" وعلى القول بأنه صلى الله عليه وسلم ولد في مكة، فهناك اختلاف بين العلماء في تحديد الموضع الذي ولد فيه" ثم ذكر أقوالهم ونقلهم للخلاف، وقال أيضا:" وهذا الاختلاف في الوضع الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم يحمل على القول بأن الجزم بأنه الموضع المعروف عند عامة الناس باسم المولد-لا يقوم على أساس تاريخي صحيح- وهذا أمر أوضحه الشيخ عبد الله العياشي في رحلته فقال ما نصه: وقد علم من كتب السير ما وقع من الاختلاف في مولده صلى الله عليه وسلم هل هو بمكة أو بالأبواء، وعلى أنه بمكة فقيل: بالشعب، وقيل : الحصب إلى غير ذلك من الأقوال.

          ولا أدري من أين أخذ الناس تعيين هذا المحل بالخصوص؟ اللهم إلا أن يثبت أن تلك دار والده أو جده صلى الله عليه وسلم فيترجح القول بأنه في مكة في قضية عادية، هي أنه ولادة الإنسان في الغالب في منزل والده، وإن أريد بالشعب شعب أبي طالب الذي انحاز إليه مع بني هاشم وبني المطلب في قضية الصحيفة، فلا يبعد ذلك، لأن الدار قريبة من الشعب من أسفله، والعجب أنهم عينوا محلا من الدار مقدار مضجع، وقالو له: موضع ولادته صلى الله عليه وسلم، ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضيعف، لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها، وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها، وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور، وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار بعد مرور الأزمان والأعصار، وانقطاع الآثار، والولادة وقعت في زمن الجاهلة، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة رضي الله عنهم وتابعيهم ضعف اعتنائهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي، لصرف اعتنائهم رضي الله عنهم لما هو أهم: من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسنان واللسان.

وكان ذلك هو السبب في خفاء كثير من أصحابه، مع وقوع ذلك في المشاهد الجليلة، فما بالك بما وقع في الجاهلية؟ لا سيما مالا يكاد يحضره أحد إلا من وقع له، كمولد علي، ومولد عمر، ومولد فاطمة رضي الله عنهم، فهذه أماكن مشهورة عند أهل مكة، فيقولون: هذا مولد فلان، وهذا مولد فلان، وفي ذلك من البعد أبعد من تعيين مولده صلى الله عليه وسلم لوقوع كثير من الآيات ليلة مولده صلى الله عليه وسلم، فقد يتنبه بعض الناس لذلك بسبب ما ظهر من الآيات، وإن كانوا أهل جاهلية، وأما مولده لم يرد خبر عن صابح الواقعة بتنبهه أو أحد من أهل بيته" انتهى كلام العياشي، وهو شامل لجميع الموالد المنسوبة لمن عاش في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم فلا داعي للحديث عنها"[6]، فإذا كان المتخصصون يشككون فكيف يمكن أن يقال: إن هنك تواتر؟ فعلى معالي الدكتور أن يراجع نفسه، وأن يصحح العلومة.

          المغالطة الثانية: فهي تعميمه في الكلام وذلك يسحب الحكم الذي ذكره-وإن كان هذا الحكم حقا في بعض المواطن- إلى المواطن التي لم يثبت فيها شيء أصلا، أو كان ضعيفا.

          يقول معالي الدكتور:" وضعوا لها عنواين مختلفة مناسبة يبدوا واضحا عليها الصنعة الفقهية بذكر الأحكام الشرعية المناسبة لها، والآداب التي ينبغي للزائر أن يلتزمها عند حضوره عندها..."[7].

وسترى بعد قليل أن صنيع معالي الدكتور هو عين الإيهام والتضليل لقارئ، ويتبين ذلك مما يلي:

          1- أن الأماكن التي نقلها معالي الدكتور عن الكتب الفقهية بعد النظر فيها والتأمل نجد أنها تنقسم إلى قسمين:

          أ) المساجد: وهذه لها أحكامها الشرعية المعلومة بنصوص الكتاب والسنة، ولكن لا فرق بين المساجد القديمة والمنشأة بعد زمن، بل حكمها سواء، ولا صحة لمن يفرق بين بيوت الله إلا بدليل، فمن فرق فعليه الدليل، وأما التخصيص بلا دليل فمرفوض ولا يقبل من أي فقيه بلا دليل، فتخصيص المساجد المذكورة دون ما عداها من مساجد مكة التي وصل عددها في إحصائييات متأخرة إلى أكثر من ألف وثلاثمائة مسجد غير مقبول، فلا يصح التفريق البتة، وهو من القول على الشرع بلا علم.

          ب) ما لم يكن مسجدا كمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وغار حراء، وغار ثور: فهذه ليس لها آداب وأحكام في الشرع، ولم يقل أحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بأن لها آدابا وأحكاما، والمعروف أن الذين يجعلون لها آدابا وأحكاما هم الصوفية والقبورية، فلا يصح للكاتب التعميم حتى يمرر هذه الجزئية على القارئ،فيفضي الشريعة على أفعال المبتدعة من القبورية والصوفية وهذا لا يليق بكاتب مثله، والمسلم الحق ملتزم بالدليل الشرعي الصحيح فما ثبت به النص فالمسلم الحق معه، وما لم يثبت به دليل فلا حاجة إلى الالتفات إليه أو الاهتمام به، فالدين بفضل الله كامل ولا يحتاج إلى إضافات أو ابتداعات.

          2- أنه لم يتطرق إلى ما ثبت فيه النص كالكعبة والمقام والصفا والمروة وعرفات ومزدلفة ومنى، مع أن هذه الأماكن في كتابه مع أنها هي التي ينطبق عليها وصف الدكتور بأنها المأثورة المتواترة، والتساؤل الملح هنا: ما الذي يريده معالي الدكتور من هذه الأماكن بتركه للمتواتر المأثور، وحرصه على المزعوم أو غير المتواتر أو غير المأثور، أو ما ثبت أنه غير صيحيح؟ أنا سأحسن الظن ولكن أترك للقارئ محاولة معرفة الجواب.

          وإذا ا قرأنا باقي المبحث فإن القارئ سيلحظ أن معالي الدكتور كما هو واضح عنا أو في مباحث وفصول الكتاب قد أكثر من النقولات ونوع في المصادر، وهذا دليل على سعة علمه واطلاعه ولكن يعتب عليه فيما نقله أمران:

          أولهما: أنه يذكر نقولات لا دليل فيها على ما يريد، ثم يجعل هذه النقول هي الدليل[8]، فيستدل بأقوال العلماء وهو يعلم أنهم غير معصومين، والمفترض أن يستدل لأقوالهم، وأن يطالبهم بالدليل، أو أن يبحث لهم عن دليل، ليصح به قولهم، أما المسلك الذي ارتضاه معالي الدكتور فهو مسلك مجانب للصواب وظاهر الخطأ لا يوافقه عليه إلا المقلدة.

          ثانيهما: أنه ترك التعقيب على نقولات متعددة بها أخطاء شرعية، كان الواجب على معالي الدكتور بيانها ولو اختصارا، حتى يتبين للقارئ، ويحذر من تلك الأخطاء، فإن نقله لها ثم سكوته عليها يعني أنها صحيحة، ذلك أن معاليه عضو هيئة كبار العلماء، والقراء يتفقون بأن معاليه لم يقر الخطأ، فسكوته يوقع كثيرا من القراء وخاصة المثقفين  في أخطاء لا تحمد عقباها، وواجب البيان لازم لمعاليه، وإن كان عذر معاليه عدم التنبيه على أنه يريد إثبات قضية أخرى وهي تواتر الأماكن فقط، ولكن هذا العذر لا يعفي معاليه من واجب البيان ولو اختصارا في الهامش، وخاصة أن الأخطاء متكررة في النقولات.

          ولتدارك هذا فقد عمدت إلى التعقيب على نماذج من الأخطاء الموجودة في الفصل الثالث"الأمان المأثورة المتواترة في مكة في المدونات الفقهية" وهي على حسب ورودها كتالي:

          1-ما نقله من كتب"مثير الغرام الساكن على أشرف الأماكن"، تأليف عبد الرحمن"ت597هـــــ"، قوله:" باب ذكر أماكن بمكة يستحب فيها الصلاة والدعاء" وهي ثمانية عشر موضعا"[9].

          2-ما نقله من كتاب" البحر العميق في مناسك العمرة والحج إلى البيت العتيق" تأليف: محمد بن ضياء القرشي"ت854هـــــ"، قوله" فصل في ذكر الأماكن المباركة بمكة الشرفة، وحرمها وقربه التي يستحب زيارتها، زياتها، والصلاة والدعاء فيها رجاء بتركها" ويقول:" وهذه الأماكن مساجد ودور، وجبال ومقابر"[10].

          3-ما نقله من كتاب" إرشاد السائل إلى أفعال المناسك" تأليف: برهان الدين بن فرحون"ت799هــــ" يقول:" الباب العشرون: في ذكر آثار شريفة بمكة ينبغي أن تقصد للتبرك بها" ثم قال:" واعلم أن بمكة آثارا ينبغي للحاج أن يقصدها ويدعوا الله فيها"[11].

          إن الملاحظ على هذه النقولات أنها تحكم باستحباب الزيارة والدعاء والتبرك، وجميع هذه الأمور لابد من إثبات الاسحباب فيها إلى دليل صحيح، أما القول والحكم بلا دليل فهو غير مقبول، وهو من القول على الله بلا علم، وفتح لباب الابتداع؛ فالعلم الشرعي ما كان بديليله، وأين الدليل هنا؟



[1] انظر: الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة عرض وتحليل (83).

[2] المرجع السابق.

[3] انظر: الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة عرض وتحليل (19).

[4] المرجع السابق، (29).

[5] المرجع السابق، (29-32).

[6] محاضرة ألقاها الشيخ حمد في جامعة أم القرى بمكة بعد المغرب ليلة الأربعاء 13 جمادى الآخر سنة 1402 هـــ، ثم نشرها كبحث في مجلة العرب(س17، ج3-4)، انظر موقع صيد الفوائد: www.saaid.net

[7] انظر: الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة عرض وتحليل (83).

[8] المرجع السابق (84-95).

[9] المرجع السابق (84-86).

[10] المرجع السابق (86-88).

[11] المرجع السابق (89-90).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة في كتب"المناسك".doc doc
المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة في كتب"المناسك".pdf pdf

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى