الرد على المحبة عند الصوفية (1)

الرد على المحبة عند الصوفية (1)



         
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة على العالمين، ثم أما بعد؛
أولا:
يتبين من أقوال هؤلاء الصوفية أن الحب الإلهي الصوفي هو أول أصل عندهم قامت عليه العبادة الصوفية من جهة، وهو أصل صريح في مخالفته للشرع وعدم قيامه عليه من جهة أخرى، وسترتب عن هذا ظهور مخالفات شرعية أخرى كثيرة: أصولا وفروعا، وغاية، الأمر الذي سيزيد في توسيع مجال تلك المخالفات أفقيا وعموديا.

          إن حب هؤلاء الصوفية لا يقوم على الشرع في أمرين أساسيين: الأول: أن العبادة في الإسلام تقوم على العبودية لله تعالى بطاعته والالتزام بدينه، وهي عبودية فرضها سبحانه عليها لقوله:" {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36]، لكن العبادة في التصوف لا تقوم على ذلك، وإنما تقوم على عبادة الله طلبا لذاته وحبا فيه حسب رغبات الصوفية، ولا دخل هنا لدين الله تعالى منطلقا، ولا علة، ولا التزاما بالأوامر الإلهية.

          والأمر الثاني مفاده أن الحب الصوفي مخالف للحب الشرعي مع أن كلا منهما يسمى حبا إليها، فالحب الشرعي هو حب لله أمرنا الله به ضمن طاعته وعبوديتنا له وفق شريعته، فهو حب من الشرع ومنضبط به، ومن أجله قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، لكن الحب الصوفي لا ينطلق من العبادة الشرعية، ولا يلتزم بالحب الشرعي وضوابطه، ولا يدعو إليه، بل إنه يتعالى عليه، ويهاجمه، ويزدريه، ويتعالم عليه، فالحب الصوفي حب معاند للشرع، فالله تعالى أمرنا بحبه وحب رسله وعباده المؤمنين، وحب دينه وجنته، والخوف مناره وعذابه، لكن الحب الصوفي خالف كل ذلك عن سبق إصرار وعناد وترصد، فلو كان جبا شرعيا وصحيحا ما كان معاندا للشرع ومخالفا له وحربا عليه.

          علما بأن هؤلاء الصوفية قد احتجوا على صحة موقفهم في قولهم بالحب الإلهي، بانه حب يقوم على البديهة، ولا يحتاج إلى دليل لإثباته، لأنهم يعبدون الله طلبا له وحبا فيه، ولا حبا في جنته ولا خوف من ناره حسب زعمهم، واستدلالهم هذا لا يصح، فهو من التغليظ والتلبيس، لأن الحب الإلهي ليكون صحيحا يجب أن ملتزما بالشرع قلبا وقالبا، لأن الحب في الله والبغض في الله، وأي حب إلهي مزعوم يخالف الشرع، فيزدري به، ويتعالم عليه، ويخالفه فهو ليس بإلهيا صحيحا، ومن فعل ذلك من الصوفية وغيرهم فلن ينال الحب الإلهي الصحيح، ولن يفوز به، ولن يتذوق طعمه، وإنما هو يعبد هواه وشيطانه.

          وثانيا إن في أقوال رابعة العدوية أباطيل ومخالفات شرعية كثيرة، فمن ذلك فهي قالت بأنها تحب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم عادت وقالت: إن حب الخالق شغلها عن حب المخلوق، بمعنى أنها لا تحب سواه ومن ثم لا تحب النبي صلى الله عليه وسلم ولا بشرا غيره، فهي مشغولة بحب الله عن حب الأنبياء وغيرهم من الناس.

ثم إنها أكدت ذلك عندما استنكرت على الرجل كيف يكون في قلبه موضع حب لكائن لغير الله تعالى؟ وهذا يعني أنها لا تحب أحدا إلا الله تعالى، وحبها هذا ليس صحيحا، فهو قائم على رغباتها لا على الشرع، ولا حتى على العقل، لأن حب الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور به شرعا، فقد أمرنا به تعالى، كما قال تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"[1].

وعليه فإن الذي يحب الله تعالى حبا صحيحا كما أمر الله تعالى به يجب عليه أن يحب نبيه وعباده المؤمنين، وإلا فهو غير صادق في حبه له، لأن من المعروف شرعا وعقلا أن المحب لمن يحب مطيع، فما بالك بالله تعالى الذي أمرنا بحبه وحب أنبيائه وعباده الصالحين؟

وحسب زعم رابعة العدوية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حبه ناقصا لله تعالى لأنه كان يحب زوجاته وأصحابه رضي الله عنهم، وأن الصحابة رضي الله عنهم كان حبهم لله تعالى ناقصا أيضا لأنهم كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبون أولادهم وباقي المسلمين، وهذا زعم باطل من دون شك، لكنه نتيجة ضرورية لما زعمته رابعة العدوية، فقولها هذا مخالف للشرع ولا يصح قوله أبدا، فهو شاهد على نقص علمها، وعدم التزامها بالشرع.

كما أنه لا يصح القول بأن حب الله تعالى يتطلب تفريغ القلب من حب أي مخلوق، فهذا بال بالقرآن والسنة وسيرة الصحابة كما بيناه آنفا، والله تعالى يقول: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24]، فالآية لم تنف ولا أنكرت على المسلمين حبهم لهؤلاء، وإنما أمرتهم أن يكون حب الله ورسوله أحب وأعظم من حبهم لأولادهم وإخوانهم وأموالهم، فيجب أن يكون حبهم لهؤلاء  بعد حب الله ورسوله ومن أجلهما أيضا، فالحب الشعري هو من أجل الله وله، فنحن نحب الرسول والصحابة والمسلمين طاعة لله ومن أجله، لأن الحب في الله والبغض في الله، فلا يوجد تناقض بين حب الله وحب دينه ورسوله وعباده المؤمنين، وحب كل ما أمرنا بحبه، فهذا يعني أن الحب الإلهي الصوفي لم يكن حبا شرعيا، ولا كان من أجل الشرع ولا ملتزما به.

فقولنا في الحب الإلهي هو الموقف الصحيح الموافق للشرع والعقل، وليس كلام رابعة العدوية المخالف لدين الإسلام مخالفة صريحة، بل والمعاند له عن قصد أيضا، لأن الحب الشرعي واضح وضوح الشمس، ولا يحتاج إلى علم غزير، ولا إلى تعمق في الفهم لمعرفته، لكن المرأة لتصوفها، وتقدي رغبتها على الشرع قالت بذلك المفهوم المخالف لدين الإسلام، علما بأن المطلوب منا شرعا وعقلا أن يكون الشرع هو منطلقنا وغايتنا، وما علينا إلا التلقي والفهم الصحيح منه، ولا يصح أن نتركه وراء ظهورنا ولا نتقدم عليه، ولا نزاحمه، ولا نساوي أنفسنا به.

فتلك المرأة الصوفية، أخطأت خطأ فاحشا، فتكلمت بلسان حالها لا بلسان الشرع، عندما رأت يوما أحد العباد يقبل صبيا صغيرا، فقالت له: أتحبه؟، قال: نعم، فقالت: ما كنت أحسب أن في قلبك موضع محبة لغير الله عز وجل، فخر الرجل مغشيا عليه، فلما أفاق قال: بل رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده[2]. فهي التي أخطأت كما بيناه أعلاه، وكان على ذلك العابد أن يرد عليها ويبين لها خطأها لا أن يغشى عليه ثم يفيق ليعترف بخطئه ويؤول موقفه بالرحمة، مع أن الحقيقة هي أن جوابها هو الذي تضمن خطأ فاحشا قد يكون سببا في سقوط من لم يدرك جسامة خطئها، فالرجل في الحقيقة لم يخطئ، وإنما هي التي أخطأت، لكن نظرا لقلة علمه، أو احتراما منه لها تظاهر بأنه وهو المخطئ.

وأما قولها:" سكرت من حب ربي الليلة فأصبحت منه وأنا مخمورة"، فهو قول لا يصح في جنب الله تعالى ولا يليق به، وهو سوء أدب معه سبحانه، وفيه جعل ورعونة نفسه، وعدم التزام بالشرع، وتقدم عليه بالأحوال والرغبات، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يبيتون لله تعالى سجدا: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 1 - 6]، ومع ذلك لم يسجل القرآن الكريم، ولا السنة الصحيحة، ولا التاريخ الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته قالوا ذلك الكلام الذي قالته رابعة العدوية، والمرفوض والمستهجن والذي لا يصح قوله في جنب الله تعالى، لكن هذه الصوفية المغرورة جعلت الشرع وراء ظهرها، وتكلمت بأحوالها وأهوائها، فخالت الشرع شكلا ومضمونا.

فكان عليها وعلى كل الصوفية أن تلتزم بالألفاظ الشرعية في أحوالها وأقوالها وعباداتها، لكنها لم تلتزم بذلك، واستخدمت عبارتي: السكر، والهمر في موضوع الحب الإلهي، وهذا اللفظ لم يستخدمه الشرع في الحب الإلهي، ونحن مأمورون باتباع الشرع في كل أحوالنا قلبا وقالبا، بل إن لفظي السكر والخمر هما من الألفاظ المذمومة شرعا، قال تعالى: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72]، وقال جل ذكره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا} [النساء: 43]، فلا يوجد أي عذر مقبول يجعلها تقول ذلك الكلام، فإن كانت جاهلة عليها أن تتعلم الشرع قبل أن تتصوف، أو تسأل أهل العلم، وإن كانت عالمة به عليها أن تلتزم به.

وربنا يقول بعض الناس: إن ذلك هو أسلوب الصوفية في التعبير عن أفكارهم وأحوالهم ومواقفهم، فعلوا ذلك لكي يخفوا أحولهم عن الناس.

وأقول: هذا تبرير لا يصح، لأنه بما أن الصوفية يقولون أنهم من المسلمين، فهم كغيرهم من المسلمين مفروض عليهم شرعا الالتزام بالإسلام في كل أحوالهم شكلا ومضمونا، ولا يحق لأحد منهم أن يخرج عليه، ومن يخالفه تعمدا فهو بالضرورة قد انحرف عنه وارتمى في أحضان الأهواء والشياطين، كما أنه ليس من الشرع ولا من العقل استخدام التعمية والألغاز في التعامل مع الناس ولا في الالتزام بشريعة الله تعالى وقد سبق أن بينا بطلان قول الصوفية بالتقية، واتضح أنهم استخدموها لإخفاء أحوالهم وعقائدهم عن المسلمين، وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يبين للناس دينهم ويتكلم بلسان عرب مبين، وقد قال له ربه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44]، والل تعالى أنزل على رسوله كتابا حكيما واضحا مبينا ميسرا للتذكير والتدبر والتطبيق، قال سبحانه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، وقال: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17].

          علما بأن العبقرية ليست في التعمية والتعقيد، وإنما هي في التبسيط وتسهيل الفهم والتوصيل، فلا يوجد للصوفية أي مبرر صحيح يبرر استخدامهم للتقية، والتعمية والتمويه، ما يعني أن فعلهم لذلك القصد منه أخفاء أحوالهم وأفكارهم المخالفة للشرع والعقل، فلو كان موافقا للشرع لما أخفوه، بل وجب عليهم إظهاره.

          ولماذا يحرمون الناس من الخير الذي عندهم إن كان خيرا؟؟، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك وأمره ربه بأن يظهر لهم ما عنده، ولم يكن يخفي شيئا من دين الله تعالى، حتى أنه عندما كان يتحرج من بض الأمور يدخل الوحي ويأمره بإظهاره كقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب: 37].

          علما بأنه لا يصح لأية جماعة مسلمة أن تنفرد وتختص بأمور مخالفة للشرع، بدعوى أنها أحوال خاصة بها، فهذا زعم باطل، وكل المسلمين يجب عليهم شرعا وعقلا الالتزام بدين الله تعالى، قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [الأنعام: 159].

          وثالثا: إن قول هؤلاء الصوفية بأنهم لا يعبدون الله تعالى طمعا في جنته ولا خوفا من ناره، وإنما يعبدونه طلبا له وحبا فيه، وهو اعتراف صريح من الصوفية، ودليل دامغ ضدهم بأن حبهم الإلهي مخالف للشرع، ولا ينطلق منه، ولا يحتكم إليه، ولا يلتزم به، فهم قد أقاموا الحب الصوفي على مخالفة الشرع ومعاندته عن سبق إصرار وترصد، فلو انطلقوا من دين الإسلام في عبادتهم الصوفية لالتزموا به، ولجعلوا أنفسهم عبادا لله تعالى يتلقون منه العبادة التي فرضها على عباده، وبما أن الله تعالى أمرنا أن نخافه ونرجوه، وندعوه ليدخلنا الجنة ويصرف عنا النار، فكان يجب على الصوفية أن يطيعوا الله تعالى، وأن يلتزموا بشريعته قلبا وقالبا، فهذا هو منطق الحب والعبادة، وليس ما زعمه هؤلاء بأنهم يعبدون الله بلا ترغيب ولا ترهيب، وإنما حبا فيه وطلبا له، فهاذ من رعونات النفس وأهوائها، ومن تلبيسات الشياطين وتزيناتها، ومن قلة الأدب مع الله تعالى وشريعته.

          كما أن ذلك القول هو دليل دامغ على أن الحب الصوفي لله هو حب غير شرعي، لأن الحب الشرعي هو الذي يقوم على طاعة الله تعالى وحبه بناء على أوامره، لهذا قال سبحانه: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: 31]، فالحب الإلهي الشرعي والصحيح يقوم على الالتزام بشريعة الله وحبه كما أمرنا هو وأراده لنا ومنا، ليس كما يريد الصوفية منه، أو غيرهم من الناس، وعليه فشتان بين منن يعبد الله ويحبه كما يريد هو من الله، وهنا يكون هواه هو المنطلق والحك في حبه لله، وبمعنى آخر يكون الشرع تبعا لهواه، وبين من يعبد الله ويحبه كما أراد الله منه، وهنا يكون هواه تبعا للشرع، والشاهد قوله سبحانه: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].

          وعليه فمقولة هؤلاء الصوفية تعني أنهم أحبوا الله بناء على ما أرادوه هم منه، وليس بناء على ما يريده سبحانه منهم، وفي هذه الحالة فهم محبون مطيعون لمرادهم من الله، وليسوا محبين ومطيعين لمراد الله منهم.

          فشتان بين الحالين، إن الفارق بينهما كبير وخطير جدا، إنه الفارق بين صراط الله المستقيم، وسبل الشيطان، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

          وهؤلاء الصوفية متناقضون مع أنفسهم، فهم يقولون بأنهم يحبون الله، وتفرغوا لعبادته من جهة، ثم هم يخالفون شرعه ويردون أوامره، وسنة نبيه من جهة أخرى!!، مع أن الحكمة البديهية تقول: إن المحب لمن أحب مطيع، لكنهم خالفوها بغرور ورعونة نفس، وقلة أدب مع الله تعالى، عندما قالوا صراحة بأنهم عبدوه حبا له، وشوقا إليه، ولم يعبدوه كالأجير خوفا من ناره ورجاء في جنته، فهم لم يعبدوا الله ولم يحبوه طاعة له، ولا التزاما بشريعته، وإنما عبدوه طلبا لجماله وعظمته، وشوقا إلى لقائه ورؤيته حسب زعمهم، فهم يطلبون حظهم من عبادتهم له، كالأجير يريد أجر عمله، فالحقيقة أن هؤلاء الصوفية هم الذين كالأجير مع أنهم تظاهروا بأنهم ليسوا مثله، وذموه، فليتهم عبدوا الله تعالى وأحبوه وفق شريعته، ولم يعبدوه بأهوائهم وهلوساتهم، وتلبيسات شياطينهم.

          وأما قول هؤلاء الصوفية بأنهم لا يعبدون الله خوفا منه ولا رغبة في جنته، فهو قول باطل وفاسد ؛ لأنه مخالف لما أمر الله تعالى به وحببنا إليه ورغبنا فيه، وكان من أخلاق الأنبياء وأوامرهم لأتباعهم قال سبحانه: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198]، وقال تعالى: { قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119]، وعن أنبياء الله قال سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } [الأنبياء: 90].

          وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الجنة:" حولها ندندن"[3].

          وأما قول الصوفي أبي حازم المدني وتعليق أبي طالب المكي عليه قوله:" منهم: أبو حازم المدني كان يقول: إني لأستحي من ربي أن أعبده خوفا من العقاب، فأكون مثل العبد السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل، ولكن أعبده محبة له" وقد روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يكون أحدكم كالعبد السوء، إن خاف عمل، ولا كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل"[4]، فهو كلام باطل، سبق بيان بطلانه شرعا وعقلا، لكني أعلق على جوانب منه.

          ففيما يخص الحديث الذي ذكره أبو طالب المكي تأييدا لقول أبي حازم، فهو حديث لا أثر له في المصنفات الحديثية والرجالية، وهو موضوع[5]، ومتنه وضع لتأييد قول الصوفية بنفس اللفظ، وهو باطل أيضا، لأن دين الإسلام قائم على خوف الله تعالى ورجائه وحبه، فعن الخوف مثلا قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40]، وقال تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [البقرة: 150]، وقال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 50، 51].

          وليس صحيحا أن الأجير لا يعمل إلا بأجر، هو أجير سوء، فهذا الأجير من حقه أن لا يعمل إلا بأجر، ولا يحق لصاحب العمل أن يحرمه أجره، ولا يحق لأحد أن يجبره على العمل بلا أجر، وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"[6].

          كما أنه لا تصح المقارنة بين علاقة الأجير بصاحب العمل، وعلاقة الإنسان بربه، فالإنسان ليس أجيرا عند الله، وإنما هو عبد لله فرض عليه عبادته، وأعطاه حرية الاختيار بين طريق الإيمان وطريق الكفر، وحمله مسؤولية أعماله، فلم يكن للإنسان أي دور في العبادة التي فرضها الله عليه، وإنما الله سبحانه هو الذي فرضها عليه، وأمره بحبه وطاعته، وخلق الجنة وحببها له وخلق النار وخوفه وحذره منها، فالعلاقة بين العبد وربه ليست علاقة تأجير، ولا هي بين الأجير وصاحب العمل، وعليه فهذا المثال لا يصح للصوفية أن يستخدموه للطعن في الشرع وفي من يرجو الجنة ويخاف النار، فقول أبي حازم المدني، وأبي طالب المكي هو انتهازية وتضليل وتلبيس على الناس.

          وبناء على ذلك فمن لا يرجوا الجنة يعني أنه قد خالف أوامر الله تعالى الذي أمره بطلبها من جهة، ويكون قد حرم نفسه رضوان الله تعالى ورؤيته يوم القيامة من جهة أخرى، لأن ذلك لا يتحقق إلا في الجنة، ومن لا يطلبها لا يتحقق له ذلك، ومن لا يرجوها قد حرم نفسه السعادة الأخروية، وحكم على نفسه بالخسران المبين وبئس المصير، فهل الصوفية لا يؤمنون بالمعاد الأخروي، ويرجون معادا دنيويا؟؟

          ولا يصح قول بعضهم :" فمن أحب الله لا يرجو من الله سوى الله، كانت عباده أفضل بكثير ممن يعبد الله طمعا ي ثوابه أو خوفا عقابه، والكل خير"[7]، إنه لا يصح لأن من أحب لله لا يعبده على هواه، وإنما عليه أن يعرف ذلك ليعبد الله تعالى وفق دينه وشريعته التي فرضها على بني آدم، وأما من لم يعرف ذلك، ولا التزم به عبد ما عرفه، فهو في الحقيقة يعبد هواه لا خالقه.

          لذلك فمن أحب الله عليه أن يعطيه بما فرضه عليه، لأنه في هذه الحالة يحب ما أحب الله، وأما الحالة التي ذكرها ذلك الصوفي فصاحبها يحب من الله ما أحبه هو من الله، فهي محبة حظ ورغبة في الجمال الإلهي ليست محبة طاعة وعبودية لله تعالى، فمن يحب الله تعالى طاعة له هو الذي على صواب، وتكون عباده مستقيمة على الشرع، وأما من يحبه على طريقة هذا الصوفي وأمثاله فهو منحرف عن الشرع وبعيد عنه لأنه أقام حبة طاعة له والتزاما بشريعته، وبين من يحبه ويعبده طلبا للتمتع بجماله وجلاله!!، الأول عابد وطائع لله، والاني عابد لهواه من الله!!

          وبما أن الصوفية قالوا صراحة بأن عبادتهم لله قائمة على حبهم له لا خوفا من ناره ولا رجاء لجنته، وبما أنه لا حب دون خوف ولا رجاء، لأن من يحب شخصا ما فإنه يرجو لقاءه إن لم يكن معه، ويرجو أن لا يفارقه إن كان معه، ويخاف أن يفارقه إن كان معاه، ويخاف أن لا يأتيه إن كان بعيدا عنه، فإن هذا يعني بالضرورة أن الصوفية في حبهم الصوفي لله، كان لهم خوف ورجاء، وليس صحيحا قولهم بأنهم لا يعبدون الله رجاء في جنته ولا خوفا من ناره، فما تسير ذلك؟

          إن القوم كانوا صادقين في قولهم، فهم نفوا الخوف والرجاء المتعلقين بالعبادة في العقيدة الصوفية في المعاد الدنيوي الذي هو غاية التصوف وأهله.

          ورابعا: إن قول أبي يزيد البسطامي:" إن أعطاك مناجاة موس، وروحانية عيسة، وخلة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فاطلب ما وراء ذلك، فإن عنده فوق ذلك أضعافا مضاعفة، فإن سكنت إلى ذلك حجبك به"[8]، وهو زعم باطل قطعا، وفيه غرور ورعونة نفس، ودعوة إلى ترك منهج الأنبياء، وتعويضه بمنهج بالبشر، بل وتعويضه بمنهج أهل الأهواء والرغبات ورعونات النفس، لأن الثابت شرعا أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل معهم الكتاب ليكونوا مبلغين عنه سبحانه، وقدوة كاملة ومثلى لبني آدم، ونهانا وحذرنا من مغبة مخالفتهم واتباع غير سبيلهم، لأنه هو منهج الله تعالى وسبيل الذي اختاره وأمرنا باتباعه، وكل سبيل آخر فهو سبيل انحراف وضلال، وطريق من طرق الشيطان، قال سبحانه: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، وقوله تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90]، وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65]، وقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

          لكن هذا الرجل المريض جهل منهج الله تعالى وراء ظهره ودعا إلى سبيل غير سبيل الأنبياء، وإن تظاهر بالصلاة والسلام عليهم، وزعم أن سبيله أكمل من سبيلهم، وأن سبيلهم يحجب عن الله، وأن الله تعالى لم يجعل منهج الأنبياء أكمل منهج، أن منهج الصوفية أكمل منهج، وأن منهج الصوفية أكمل من منهجهم.

          وزعم أن سبيله أكمل من سبيلهم، وأن سبيلهم يحجب عن الله، وأن الله تعالى لم يجعل منهج الأنبياء أكمل منهج، وأن منهج الصوفية أكمل من منهجهم.

          وزعمه هذا باطل وضلال مبين، ورد صريح لما أمر الله تعالى به، وتقدم على الله رسوله، وازدراء بشريعة الله تعالى، فعجبا من هذا الصوفي وأمثاله، فكيف سمح لنفسه أن يقول تلك الأباطيل الهادمة لدين الإسلام مع أنه يظهر انتماءه إليه؟

          فهذا تناقض صريح صارخ يشهد على الصوفية بأنهم يخفون حقيقة أحوالهم وتصوفهم عن المسلمين، ويخاطبونهم بإشاراتهم المبهمة تضليلا وتلبيسا عليهم.

          وخامسا: إن قولهم في العشق؛ كالحديث الذي أورده أبو نعيم الأصبهاني، وقول أبي يزيد البسطامي، فهو قول صحيح في معظمه فبالنسبة للحديث النبوي فهو حديث إسناده غير صحيح، باعتراف المؤلف نفسه، عندما أشار إلى أنه مرسل بسبب الحسن البصري، وضعيف لضعف محمد بن الفضل وعبد الواحد[9].

 

الهوامش:

[1] أخرجه البخاري (1/12)، حديث رقم (16).

[2] طبقات الصوفية (388).

[3] رواه ابن ماجه في سننه، (1/295)، رقم(910)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ص(150) رقم:( 742).

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، (1/456).

[5] الفتني الهندي: تذكرة الموضوعات (189).

[6] رواه ابن ماجة في سننه (2/817)، رقم(2443)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، (2/59)، رقم:(1980).

[7] يحي بن معاذ، جواهر التصوف، ص(45).

[8] أبو طالب المكي: قوت القلوب، (1/456).

[9] أبو نعيم الأصبهاني: حلية الأولياء، (6/163).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الرد على المحبة الصوفية (1).doc doc
الرد على المحبة الصوفية (1).pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى