الرد على الجوع والعطش عند الصوفية (3)

الرد على الجوع والعطش عند الصوفية (3)





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ وأما الصوفي الثالث، فقد أفصح عن حقيقة موقفه من الصوم الشرعي انتصارا للجوع الصوفي، وهو موقف مردود عليه، لأن صوم التطوع هو من العبادة الشرعية، ولا يصح اتهام من يفعله بأنه طالب للدنيا، وإنما الجوع الصوفي هو الذي من الدنيا بحكم أنه مخالف للصوم الشرعي، وأصحابه لا يريدون بتصوفهم الآخرة كما سبق بيانه.

          ومنها: أيضا قول أبي القاسم الجنيد: "ما أخذنا التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع، وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسنات"[1] فهو قول صوفي ينطبق تماما على العبادة الصوفية التي هي امتداد لرهبانية البوذيين والنصارى، وليس هو من العبادة الشرعية، لأن دين الإسلام بكل جوانبه الروحية والأخلاقية، والعملية والعقدية لا يقوم على الجوع، ولا على ترك الدنيا، ولا على ترك المألوفات الحسنات لمجرد أنه كذلك، وإنما يقوم على طاعة الله والالتزام بشرعه قلبا وقالبا، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56]، و قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

          وليس من دين الإسلام أن نقيم الدين والدنيا على الجوع، وإنما على الاعتدال في الأكل والشرب، فهذا هو الأصل، والصوم استثناء بأمر من الشرع، فلو كان أصلا لفرض الله علينا صوم أربعة أشهر، أو خمسة، أو ستة أشهر في السنة، وبما أنه سبحانه فرض علينا شهرا وحدا في العام دل هذا على أن الصوم استثناء في حياتنا وليس أصلا.

          وأما قوله بترك المألوفات والمستحسنات فهذا يحتاج إلى تفصيل، فإذا كانت مألوفات صحيحة وصحية وموقفه للشرع، ومفيدة للمجتمع فيجب الحفاظ عليها لا قطعها، وأما إذا كان ضارة فلا بد من التخلص منها، علما بان الإنسان لن يستطيع التخلص نهائيا من المألوفات والمستحسنات، وإنما يستطيع أن يغيرها ويوجهها لا القضاء عليها، لأن ما من نمط حياة إلا وله مألوفات ومستحسنات، والصوفية أنفسهم عندما تصوفوا وانعزلوا عن المجتمع الإسلامي بمألوفاته ومستحسناته وضعوا لأنفسهم مألوفات ومستحسنات تناسبهم، فمالوا إلى الكسل وترك طلب الرزق، وأقبلوا على الطرب والرقص بدعوى الذكر والسماع، ولبسوا المرقعات وتميزوا بها، وأظهروا زهدهم وتصوفهم للناس تسولا وطمعا فيما عندهم.

          ومنها: أيضا ما رواه الكلاباذي:" سمعت فارسا يقول: قلت لبعض الفقراء مرة-ورأيت عليه أثر الجوع والضر: لم لا تسأل الناس فيطعموك؟ قال: أخاف أن أسألهم فيمنعوني، فلا يفلحوا، وقد بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لو صدق السائل ما أفلح من منعه"[2].

وأقول:

          أولا: إن الحديث الذي احتج به الصوفي غير صحيح، فهو موضوع ولا أصل له[3]، لكن الرجل-كغيره من الصوفية- لم يحرص على طلب الحديث الصحيح ولا صححه، واكتفى بقوله: بلغني، وكلمة بلغني هي أخت زعموا، فالرجل لا يهمه أصح الحديث أم لم يصح، وإنا لاذي يهمه هو أن يحتج لحاله ويبرره بالدين تسترا به.

          وثانيا إن ذلك الصوفي رضي لنفسه الجوع والضر، وهذا جهل بالشرع، وإضرار بالنفس، كما أنه كان على الذي سأله أن ينصحه بأن يخرج في طلب الرزق، وليس بسؤال الناس، ويبين له أن الشرع يأمر بالعمل لا بالسؤال، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى، لأن سؤال الناس منهى عنه شرعا إلا لضرورة، لكن لم يفعل ذلك، لأنه وصاحبه على منهج العبادة الصوفية، لا على منهج العبادة الشرعية.

          وثالثا: إن من جهل الرجل بالشرع أو تعمده في مخالفته أنه جعل البركة في نفسه وزكاها وزعم أنه لم يسأل الناس خوفا عليهم بأن لا يفلحوا إن هم منعوه، فهذا الصوفي ترك العمل، ورضي بالجوع والضر، وزكى نفسه، مع أن الشرع أمر بالعمل، ونهى عن السؤال ومدح النفس، قال سبحانه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [النجم: 32].

          وبما أن الشرع أمر بالعمل ونهى عن التسول، فإن من يمنع السائل فلا ذنب عليه، لأن الله تعالى امرنا بعدم نهر السائل، ولم يفرض علينا التصدق عليه، لقوله سبحانه: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10]، لكم هناك حالات يستحب فيها التصدق، وأخرى يحرم فيها التصدق إذ كان السائل نصابا، أو يمتهن التسول، وحتى إذا كان السائل يستحق التصدق، والمعطي لا علم بحاله فلا إثم عليه، وهناك حالات يكون فيها التصدق واجبا إذا كان  السائل محتاجا، والمتصدق على علم به، وقادر على أن يعطيه، فإن لم يتصدق عليه ي هذه الحالة يكون آثما

          لكن جواب ذلك الصوفي غير صحيح في معظمه، وهو نموذج على تقدم الصوفية على الشرع برغباتهم، وتصوفهم من جهة، وعلى تأسيسهم للعبادة الصوفية، بالأحاديث الضعيفة ومرويات شيوخهم المخالفة للشرع من جهة أخرى.

          وأما قول الصوفي أبي طالب خزرج بن علي:" فقدم إلينا حمل مشوي، فأمسكت يدي، فقال لي بعض أصحابنا، كل بلا أنت،" فأكلت لقمة، فأنا منذ أربعين سنة إلى خلف...""[4]، فهو قول موافق للتصوف لا للشرع، لأن الأكل الحلال سواء كان لقمة، أو لقيمات، أو أكثر لا يؤدي أبدا إلى تراجع القوة الإيمانية للمسلم، بل قد تزيد في قوة إيمانه إذا تناوله أبدا إلى تراجع القوة الإيمانية للمسلم، بل قد تزيد في قوة إيمانه إذا تناوله حلالا وبنية، وتدبر فيه، وأشرك غيره معه، ليتقوى به على القيام بأعمال الخير والالتزام بالشرع.

          وأما قول ذلك الصوفي بأنه أكل لقمة من خروف مشوي فضل أربعين سنة في تراجع، فهذا ليس من دين الإسلام إن كان الطعام حلالا، وحتى وإن تعمد في أكل تلك اللقمة وتاب منها فلا يبقى أربعين سنة في تراجع، بل يستطيع أن يتدارك ما فاته، بل وقد تكون تلك الحادثة دافعا قويا للنهوض من جديد وبلوغ أعلى المراتب الإيمانية، وعليه فإن هذا الرجل لا يتكلم عن العبادة الشرعية، ولا يتعامل معها، وإنما يتعامل مع العبادة الصوفية ومجاهداتها وأحوالها وعقائدها، فكلامه مخالف للشرع، متفق مع التصوف، لكن متستر بالعبادة الشرعية.

          ومنها: أيضا قول عبد الكريم القشيري:" وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام: يا دواد، حذر، وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة"[5].

          أقول: إن هذا الخبر لا يصح إسنادا ولا متنا، فأما إسنادا فهو منقطع ولا أصل له، وتعمد في الافتراء على الأنبياء عليهم السلام، وهو شاهد دامغ على أن الصوفية لا يبحثون عن صحيح الأخبار، ولا يميزون بين صحيحها من سقيمها.

          وأما متنا فلا يصح، لأن الشرع لم يحرم تناول الشهوات وإنما حرم الخبائث والشهوات الحرام، وأما أكل الشهوات الحلال فهي من الحلال ومن نعم الله تعالى على عباده، وهو الذي دعانا إلى تناولها، كقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } [البقرة: 223]، وقد كان داود عليه من الأنبياء الأغنياء الذين جمع الله لهم بين النبوة والملك، وفتح عليه الكثير من خيرات الدنيا، فكيف يأمره بترك أكل الشهوات مطلقا دون تمييز بين حلالها وحرامها؟

          ومنها: أيضا قول يحيى بن معاذ:" الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق، ولا تطفأ ناره حتى يحرق صاحبه"[6].

          وأقول: إن الرجل وأصحابه تكلموا في الجوع والشبع بلسان التصوف، لا بلسان الشرع، ولا العقل، ولا العلم، لأن الحقيقة هي أن كلا من الجوع والشبع قد يكون نادرا وداء، وقد يكون نورا ودواء وغذاء فلا يصح ذمهما مطلقا ولا مدحهما مطلقا.

          فالجوع الشرعي كالصيام ينقص من وزن الجسم، ويريح أجهزته، ويصقل القلب ويقويه وينوره ، لكن لا جوع الصوفي الشديد والدائم، يقلق صاحبه، وينغص حياته، وينهك جسمه ويمرضه، ويدمر مناعته وأجهزته، ويخرجه من الوعي إلى اللاوعي، وقد يوصله إلى السرقة والكفر.

          وكذلك الشبع العادي-الأكل باعتدال من دون إسراف- فهو يغذي الجسم ويقويه، وبتقوية الجسم تتقوى الروح أيضا، والعقل السليم في الجسم السليم، ولكن الإفراط في الشبع والإكثار منه يضر بالجسم والروح معا، فالشبع الشرعي ليس نارا ولا دمارا، وإنما هو غذاء وعلاج للجسم والنفس والعقل، وهذا أمر ثابت شرعا وعقلا وواقعا وعلما، فلو كان نارا ما أمرنا الشرع بالأكل والشرب باعتدال، وما أمر الأطباء الناس بتناول الأكل الصحي، وإنما المبالغة في الشبع هي التي تضر الإنسان بدنيا ونفسيا وعقليا.

          وأما الشهوة، فهي طبيعية في الإنسان، لأنها من غرائزه ودوافعه وحاجياته التي يعيش بها الإنسان، وبدونها لا يكون إنسانا، ولابد من الاستجابة لها بالطريق الصحيحة، ولا يصح ذمها ولا قمعها ولا محاربتها والسعي لاستئصالها، وإنما يجب الاستجابة لها بميزان الشرع والعقل والعلم، بلا افراط ولا تفريط، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67].

          فالشهوة ليست كالحطب، وإنما هي غريزة من الغرائز التي خلقها الله تعالى فينا لأداء وظائف ضرورية للجسم شريطة أن نستجيب لها باعتدال، وفي هذه الحالة لا يتولد منها الاحتراق، ولا الكبت عند تنظيم الاستجابة لها، لكن الرجل بسبب تطرفه وتعصبه لتصوفه تكلم بلا شرع ولا علم ولا عقل، هذا هو الحال الغالب على التصوف وأهله.

وآخرها: قول للصوفي سهل بن عبد الله التستري مفاده:" الجوع سر الله في أرضه، لا يودعه عند من يذيعه"[7].

          وأقول: كلامه هذا مصدره التصوف لا الشرع، فالرجل فيصف الجوع الصوفي لا الجوع الشرعي، ويندرج ضمن كلام الصوفية بلا علم، والتعمد في مخالفة الشرع، لأن الله تعالى تعبدنا بالصيام الشرعي، ولم يتعبدنا بالجوع الصوفي، وفرض علينا صوم شهر واحد في السنة من الفجر إلى المغرب، وأباح للمريض والمسافر أن يفطر على أن يعيد أيام فطره لا حقا.

          ورخص للعجزة ولذوي الأمراض المزمنة بالإفطار في رمضان مع الفدية، وقال لنا من جهة أخرى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32]، وقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، فالأكل والصوم الشرعيان هما سر الله في خلقه، وليس الجوع الصوفي.

          فالجوع الصوفي ليس سر الله في خلقه، وإنما هو سر العبادة الصوفية، فالبجوع لصوفي ينتقل الصوفي من الوعي إلى اللاوعي، ومن العقل إلى اللاعقل، ومن الشرع إلى اللاشرع، ومن العلم إلى اللاعلم، ومن الحقائق إلى الأوهام والهلوسات، وهنا يكون الصوفي قد فقد قواه العقلية والنفسية والبدنية، فيجذبه الشيطان إليه ويستحوذ عليه، ويصبح حاله يشبه حال متناولي المخدرات المهلوسة.

          وإنهاءًا لهذا المبحث يستنتج منه أن الجوع الصوفي هو الخطوة الثانية من عبادات الطريق الصوفي، الذي هو التطبيق العملي لأصول التصوف، وقد اهتم به شيوخ الصوفية الأوائل اهتماما كبيرا، وغالوا فيه غلوا شديدا، حى أنهم رووا المستحيلات عن أحوالهم مع الجوع.

          وتبين أيضا أن الجوع الصوفي مخالف للشرع، والعقل، والعلم وأنه جوع مضر بالإنسان ومدمر لقواه العقلية والنفسية والجسمية، فينقله ومن الوعي إلى اللاوعي، ومن الصحة إلى المرض، الأمر الذي جعل أكثر متأخري الصوفية يتركون الجوع الصوفي ويقبلون على كثرة الأكل وحضور الولائم، وعقد مجالس الغناء والرقص، ومنهم من عوض الجوع الصوفي بتعاطي المخدرات كوسيلة سهلة وسريعة تنقل الصوفي من الوعي إلى اللاوعي.

 

الهوامش

[1] القشيري: الرسالة القشيرية،(1/78).

[2] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، (113-114).

[3] مرعي بن يوسف الكري المقدسي: الفوائد الموضوعة في الأحاديث الموضوعة، دار الوراق ص(12)، ومحمد بن درويش الحوت: أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب، (233).

[4] الماليني: الأربعون في شيوخ الصوفية، (77)، رقم(60).

[5] القشيري: الرسالة القشيرية، (286).

[6] يحيى بن معاذ: جواهر التصوف، (134).

[7] الماليني: الأربعون في شيوخ الصوفية، ص(61)، رقم(49).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الرد على اتخاذ الجوع والعطش وسيلة لتزكية النفس (2).doc doc
الرد على اتخاذ الجوع والعطش وسيلة لتزكية النفس (2).pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى