أسماء الله الحسنى: الفتاح... عبد العزيز الجليّل

أسماء الله الحسنى: الفتاح... عبد العزيز الجليّل






إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ فقد ورد هذا الاسم الكريم في القرآن مفردًا مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26].
كما ورد أيضًا مرة واحدة بصيغة التفضيل في قوله - عز وجل -: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].
 
المعنى اللغوي:
(الفتح) نقيض الإغلاق، والفتح: النصر، والاستفتاح: طلب النصر.
وقال الأزهري: "الفتح: أن تحكم بين قوم يختصمون إليك كما قال سبحانه مخبرًا عن شعيب: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]، أي: اقض بيننا، والفُتاحة والفِتاحة: أن تحكم بين خصمين. قال الأسعر الجعفي:
ألا من مبلغ عمرًا رسولاً فإني عن فُتاحتِكم غني
والفتاح من أبنية المبالغة[1].
 
وقال الراغب: "الفتح إزالة الإغلاق والإشكال وذلك ضربان أحدهما: يدرك بالبصر كفتح الباب ونحوه: {وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ} [يوسف: 65].
 
والثاني: يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو إزالة الغم، وذلك على ضروب، أحدها: في الأمور الدنيوية كغم يفرج، وفقر يزال بإعطاء المال ونحوه، كقوله تعالى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].
 
والثالث: فتح المستغلق من العلوم، نحو قولك: فلان فتح من العلم بابًا مغلقًا وفتح القضية فتاحًا فصل الأمر فيها، وإزالة الإغلاق عنها"[2].
 
معناه في حق الله تعالى:
قال قتادة رحمه الله تعالى: "افتح بيننا وبين قومنا بالحق: اقض بيننا وبين قومنا بالحق"[3].
قال الخطابي رحمه الله تعالى: " (الفتاح) هو الحاكم بين عباده.. وقد يكون معنى (الفتاح) أيضًا الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، ويفتح المنغلق عليهم من أمورهم وأسبابهم، ويفتح قلوبهم وعيون بصائرهم، ليبصروا الحق، ويكون الفاتح أيضًا بمعنى الناصر"[4].
 
ويقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في نونيته:
"وكذلك الفتاح من أسمائه والفتح في أوصافه أمران
فتح بحكم وهو شرع الرضا والفتح بالأقدار فتح ثان
والرب فتاح بذين كليهما عدلاً وإحساناً من الرحمن"[5]
 
ويؤكد الشيخ السعدي - رحمه الله تعالى - ما قاله ابن القيم - رحمه الله تعالى - في نونيته فيقول: "فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، وفتحه تعالى قسمان: أحدهما فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي، والثاني: الفتاح بحكمه القدري.
 
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم، وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائه بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم، وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفي كل عامل ما عمله، أما فتحه القدري فهو ما يقدره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر: 2].
 
فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله"[6].
 
ونخلص من الأقوال السابقة إلى أن اسم (الفتاح) يشمل المعاني التالية:
1- الحاكم الذي يقضي بين عباده بالحق والعدل بأحكامه الشرعية والقدرية الجزائية.
2- الذي يفتح لعباده أبواب الرحمة والرزق وما انغلق عليهم من الأمور.
3- أنه بمعنى الناصر لعباده المؤمنين وللمظلوم على الظالم.
 
من آثار الإيمان باسمه سبحانه (الفتاح):
أولاً: محبته سبحانه والتعلق به وحده الذي بيده مقاليد كل شيء وهو الذي بيده مفاتيح العلم والهدى والخير والرحمة والرزق، ومفاتيح ما انغلق من الأمور، فحري بمن يملك هذه المفاتيح ولا يملكها أحد سواه أو أن يُتعلق به ويُتوكل عليه فلا يرجى إلا هو، ولا يدعى إلا هو، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، قال سبحانه: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 2].
 
وعند قوله تعالى: " {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} .. الآية"، يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: "وما من نعمة - يمسك الله معها رحمته - حتى تنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة - تحفها رحمة الله - حتى تكون هي بذاتها نعمة... ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله - فإذا هو مهاد، وينام على حرير - وقد أمسكت عنه - فإذا هو شوك القتاد، ويعالج أعسر الأمور - برحمة الله - فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور - وقد تخلت رحمة الله - فإذا هي مشقة وعسر.
 
ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام، ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار ولا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكه دون سواه، لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في شعاب الهلاك، ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء، فمن داخل النفس برحمة الله تتفجَّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلب والتعب والنصب والكدر والمعاناة... "[7].
 
ولذا فينبغي التضرع دائمًا لله تعالى الذي بيده مفاتيح كل شيء والتوسل باسمه (الفتاح) في فتح القلوب لهدايته ومعرفة الحق والانقياد له وعلى الفتح منه لأبواب الرحمة والرزق والخير، وعلى الفتح على الأعداء، فإنه سبحانه المالك لذلك كله وحده لا شريك له، وكلما كان العبد تقيًا مخلصًا صادقًا كانت الفتوحات الربانية تترا إليها؛ ولذا نجد فهم السلف الصالح وعلمهم أوسع وأصوب ممن جاء بعدهم، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282].
 
ثانيًا: الخوف منه سبحانه ومن الوقوف بين يديه - عز وجل - يوم القيامة للفصل والحساب، حيث يفتح بين عباده ويحكم بينهم بالحق والعدل. وهذا الخوف يثمر الحذر من الظلم بأنواعه وبخاصة ظلم العباد والتعدي على حقوقهم؛ لأن الله الحكم العدل الفتاح العليم لا يظلم عنده أحد وسيقتص للمظلوم من ظالمه في يوم الفصل والحساب وقد سمى الله - عز وجل - يوم القيامة بيوم الفتح، وذلك في قوله سبحانه: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [السجدة: 29].
 
ثالثًا: الثقة في نصر الله تعالى وفتحه لعباده المؤمنين فهو سبحانه الذي يأتي بالفتح بين عباده المؤمنين وأعدائه الكافرين ومنه النصر والتمكين، فلا يجوز بحال أن يتطرق إلى نفس المؤمن اليأس من فتحه سبحانه ونصره إذا أبطأ فله سبحانه الحكمة من تأخير الفتح والنصر. وإذا انعقدت أسباب النصر وانتفت موانعه جاء نصر الله وفتحه، وحينئذ: {يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4 - 5].
 
وقد توجه الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلى ربهم الفتاح سبحانه أن يفتح بينهم وبين أقوامهم المعاندين فيما حصل بينهم من الخصومة والجدال.
قال نوح عليه الصلاة والسلام: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 117، 118].
 
وقال شعيب عليه الصلاة والسلام: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].
وقال: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15].

وقد استجاب الله سبحانه لرسله ولدعائهم ففتح بينهم وبين أقوامهم بالحق، فنجى الرسل وأتباعهم وأهلك المعاندين المعرضين عن الإيمان بآيات الله وهذا من الحكم بينهم في الحياة الدنيا.
 
رابعًا: لما كان فتحه سبحانه نوعين: فتحه بحكمه الشرعي، وفتحه بحكمه القدري، فإن هذا الفهم يثمر في قلب المؤمن اغتباطه بفتحه سبحانه الشرعي الديني الذي هو شرعه على ألسنة رسله - عليهم الصلاة والسلام - وتوحيده وسؤال الله - عز وجل - الثبات عليه، كما أنه يثمر تفويض الأمور إلى فتحه بحكمه القدري وسؤال الله - عز وجل - الفتاح العليم مفاتيح الخير وما كان عاقبته خير والاستعاذة به من مفاتيح الشر وما يؤول إليه.
 
اقتران اسمه سبحانه (الفتاح) باسمه سبحانه (العليم):
ورد هذا الاقتران مرة واحدة في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]، وقد سبق ذكر وجه هذا الاقتران عند الحديث عن اسمه سبحانه (العليم) فليرجع إليه.


الهوامش:
[1] انظر اللسان 5/3337، وتفسير الأسماء للزجاج ص 39، والنهاية لابن الأثير 3/406.
[2] المفردات للراغب الأصفهاني ص 370.
[3] تفسير الطبري 9/3.
[4] شأن الدعاء ص 56.
[5] النونية الأبيات 3329 - 3331.
[6] الحق الواضع المبين ص 84، 85.
[7] في ظلال القرآن 5/2922.


مرفقات صوتية:

المرفق نوع المرفق تنزيل
(الفتاح)... الشيخ د. خالد السبت
mp3 تحميل

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
أسماء الله الحسنى: الفتاح... عبد العزيز الجليّل doc

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى