مقابلة الشكر بالكفر

مقابلة الشكر بالكفر







إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ فإن الله أنعم علينا بنعم كثيرة تستوجب علينا القيام بالشكر لله عز وجل وعدم مقابلتها بالكفران، لأن الله سبحانه وتعالى (قد ذم من كفر بعد إيمانه كما قال: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63].

فهذا في كشف الضر، وفي النعم قال: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] أي: شكركم، وشكر ما رزقكم الله، ونصيبكم تجعلونه تكذيبًا وهو الاستسقاء بالأنواء، كما ثبت في حديث ابن عباس الصحيح قال: "مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر"، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة: 75] حتى بلغ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82].[1]

فالشكر بالمعنى الخاص هو الشكر على نعم مخصوصة دنيوية، فإن الكفر المقابل لها هو كفر تلك النعم، أو جحدها وعدم استعمالها في طاعة الله، فمن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } [النمل: 40] يخبر الله عن قصة سليمان، حيث مكنه الله من أن يأتي عرش ملكة سبأ قبل وصولها هي إليه مسلمة مطيعة، فلما رأى سليمان تمكنه من ذلك قال: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } [النمل: 40]

أي هذا الذي حصل لي – والذي يستحيل في العادة – من فضل ربي ليختبرني بذلك، أأشكر الله وأعترف بأنه من فضله من غير حول مني ولا قوة وأقوم بحقه، أم أكفر بترك الشكر وعدم القيام به، أو بأن أثبت لنفسي فعلًا وتصرفًا في ذلك، ولا شك أن سليمان عليه السلام قام بشكر هذه النعمة، ثم بين سبحانه وتعالى أن العباد سواء أشكروا على النعمة أم كفروها فإن نفع الشكر وضر الكفر راجعان على العباد أنفسهم، لأن الله غني عن عباده، لا تنفعه طاعة المطيع، كما لا تضره معصية العاصي.

أما إن جعلنا الشكر بمعناه العام الذي هو الشكر لله عز وجل على جميع نعمه – وفي مقدمتها نعمة الخلق والهداية إلى الإيمان به-، فالكفر المقابل لها هو الكفر المخرج من الملة، مثل ذلك قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: 7]

يقول تبارك وتعالى مخبرًا عن نفسه المقدسة أنه الغني عما سواه من المخلوقات لا يضره كفر البشر، كما لا ينتفع بطاعاتهم، ولكن أمره ونهيه لهم محض فضل وإحسان ولكمال إحسانه بهم لا يرضى لعباده أن يكفروا، أي لا يحبه ولا يأمر به، لكن إن شكروه بتوحيده وإخلاص الدين له، يحبه لهم ويزدهم من فضله[2].

أما الحديث الذي أورده شيخ الإسلام، والذي بسببه نزل قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] فمحتمل للكفرين: كفر النعمة والكفر المخرج من الملة، لأ، الاستسقاء نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق إلا الله.
والثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك، المنزل له، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم.[3]

قال ابن قتيبة رحمه الله: (كانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء: إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامتهه، فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفرًا، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعًا في ذلك فكفره كفر شرك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربةن فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة، لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر على المعنيين"[4].

على كل حال، فإن النعم كثيرة، فمنها نعم دينية – وهي أعظمها – ومنها دنيوية، فمن النعم الدينية الهداية للإيمان بالله والإستسلام له، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، فشكر هذه النعم واجب، والكفر بها لا شك أنه كفر أكبر.

أما النعم الدنيوية، كخلق الشمس والقمر والسحاب والمطر والحيوان والنبات، فإن شكرها واجب أيضًا، أما كفرها مراتب، قد يصل أعلاها إلى الكفر الأكبر، وذلك كما لو نسب إيجاد هذه النعم إلى غير الله، أما إذا لم يفعل ذلك لكنه لم يشكر الله عليها ويحمده عليها، فهذا وإن كان يعد كفرًا للنعمة فإنه لا ينقل من الملة.[5]
 

الهوامش:
[1] أخرجه البخاري مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، رقم 127، ص 1/84.
مجموع الفتاوى، ص 8/33-34
[2] تفسير ابن كثير، ص 4/61، وتفسير السعدي، ص 719- 720
[3] تيسير العزيد الحميد، ص 390
[4] نقله ابن حجر في الفتح، ص 2/524
[5] أعمال القلوب وأثرها في الإيمان، ص 246

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
مقابلة الشكر بالكفر doc

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى