شبهة حول التربية المصدرية... د. فريد الأنصاري

شبهة حول التربية المصدرية... د. فريد الأنصاري







إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ لقد أثار بعض العاملين في الحقل الإسلامي، شبهة حول إمكانية اعتماد النصوص الشرعية في العملية التربوية، حيث ووُجِهْتُ أكثر من مرة، بعد إلقاء محاضرة أو المشاركة في مناقشة متعلقة بالموضوع، بما يفيد أن الناس ليسوا جميعاً مؤهلين، لفهم نصوص القرآن، والسنة حتى تعتمد أساساً للتربية الدعوية،ومن هنا تأتي ضرورة الوساطة الفكرية والروحية على السواء كمنهج أساس في العملية التربوية.

ولذلك كان لزاماً علينا أن نبين طبيعة المنهج، في التربية المصدرية،من خلال الأمور التالية:

(أ) إن البرامج التربوية في المنهج المصدري، ليست بالضرورة من انتقاء المتربين، بل يجب أن تكون عملاً اجتهادياً، يقوم به أهل الاختصاص الشرعي، من الدعاة، حيث يقومون باستقراء النصوص ذات البعد التربوي، من القرآن والسنة، مما نزل أو ورد في سياق تشكيل الشخصية المسلمة، ضبطاً وعدالة، أو قوة وأمانة. ونحن نعلم أن عملية الاستقراء، والجمع، والتركيب، للبرامج عملية اجتهادية، لكنها لن تؤدي إلى وساطة بالمعنى الاصطلاحي المذكور، ومهما اختلفت اجتهادات المربين في تركيب البرامج التوحيدية، فإنها ستصب جميعاً في محيط القرآن والسنة، ومهما يكون بعد ذلك من قصور في تشكيل شخصية المتربي، ناتج عن قصور في تركيب النصوص الاجتهادية، فإن قابلية الفرد للاستدراك على نفسه، أو استدراك غيره عليه، تكون كبيرة نظراً لعدم وقوعه في ارتباط وساطي يعميه عن رؤية الحقائق، ويلبس عليه، إذ هو مرتبط أساساً بالله، من خلال كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو بصورة غير دقيقة ووافية، هذا على افتراض أن قصوراً قد شاب عملية تركيب البرنامج التوحيدي، فلم يكن شاملاً لمتطلبات تكوين الشخصية الإسلامية، بإغفاله لبعض النصوص الضرورية، أو نحو ذلك. وإلا فالأصل أن واضعي البرامج،من أهل الاختصاص الشرعي، يكونون قد بذلوا من الجهد غاية الوسع، في استقراء ما يتضح أنه يشكل لبنة في هندسة الشخصية المسلمة من الآيات الكلية، وجوامع الكلم النبوي. وهذا عمل ليس من اختصاص المتربين، ولكنه من اختصاص المربين والدعاة العلماء.

(ب) إن دخول المتربي في برنامج توحيدي، قوامه النصوص الشرعية، كمادة مصدرية، ثم قراءات في كتب مساعدة، كمادة مرجعية، لا يعني أبداً أن الفرد يجب أن يكون مفسراً أو أصولياً، أو فقيهاً، مدركاً للمكي، والمدني، وأسباب النزول،والعموم، والخصوص، والمطلق، والمقيد، وقواعد الاستدلال، ومناهجه، من أقيسة، ونحوها، لا! البرنامج التوحيدي ليس هدفه هو تخريج العلماء، بل محل هذا هو الجامعات والمعاهد الشرعية، أما البرنامج، فقصده فقط تخريج الأقوياء الأمناء في مجال الدعوة، ليس إلا وعليه، فإن مدارسة نصوص البرنامج، إنما هي محاولة تَمَثُّل للمبادئ الإسلامية الأساسية، في بساطتها، مما يتعلق بتصحيح التدين، تصوراً وممارسة، وما يتعلق بأصول وقواعد الدعوة، ومنهج تنزيل كل ذلك في واقع الناس اليوم.

ثم إن وظيفة المتربي إزاء النصوص الشرعية، وهو يسهم في مدارستها، إنما هي الرجوع إلى كتب التفسير، وشروح الحديث، فيما يتعلق بالنص المدروس، للاطلاع على أقوال المفسرين والشراح، من أجل إضاءة الموضوع أولاً، ثم عليه بعد ذلك أن يقوم بعملية تركيب للمعنى، جامعاً، ومرجحاً من باب التعلم، والتدرب على اكتساب المفاهيم بصورة مستقلة؛ ولذلك وجب ألا يعتمد على تفسير واحد، أو شرح واحد، بل يعدد مراجع التفسير والشروح، مع العلم أنا لا نعد مثل هذه الكتب من أدوات الوساطة، لأنها بذاتها خاضعة للنسق القرآني، أو الحديثي على الإجمال، وقصدها إنما هو محاولة ربط أعمق للقارئ بالنص الشرعي، نعم لا ننكر حضور الذات المفسرة، أو الشارحة في المادة ولكنها لن تؤثر بالشكل السلبي على النتيجة التربوية،لأن نهاية هذه، إنما هي الدوران حول النص أولاً وأخيراً. ولذلك كان التوجيه المقترح، ألا يقتصر على التفسير الواحد، أو الشرح الواحد، بل لابد من تعدادها، حتى تُتاح الفرصة للمتربي لبذل جهده الشخصي في تمثل النص، فهماً، وتنزيلاً، بما يناسب حاله وزمانه، وهذا عمل قد يبدو لبعضهم صعباً على المتربي، ولكنا نقول كما يقول المثل: يبدأ المرء فرزدقياً، وينتهي جريرياً.

(ج) أضف إلى ذلك، أن النص الشرعي، قرآناً كان، أو سنة لا يعطي ثمرته، لمن لم يتهيأ لاستقبالها، ولا يبوح بأسراره إلا في ظل ظروف خاصة، وشروط سابقة، على المتربي والمربي معاً،أن يعملا على توفيرها وإعدادها.
إنها ببساطة ظروف وشروط التعبد، ولذلك فإن مالك بن أنس رحمه الله، لم يكن يجلس لتدريس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متوضئاً، وفي أحسن ثوبه! فالجلسة التربوية يجب أن تكون جلسة عبادة يستشعر فيها الجميع معاني التعبد، ولا مجال بعد ذلك فيها للغو الحديث ولهوه، وإنما هي كالصلاة، أولها إحرام، وآخرها سلام.

وهكذا فقط، تكون للنفوس قوة خاصة، واستعداد خاص، لاستقبال مفاهيم النصوص الشرعية، استقبالاً جيداً ولا بد للمحافظة على هذا المعنى، من تنزيل المادة التربوية (تَخَوُّلاً)، لا إكثاراً، ولا إثقالاً! وذلك بمراعاة العدد المناسب من الجلسات في الأسبوع، الذي يكفي لترقية المتربين في مدارج البرنامج التربوي، دون الإكثار من النصوص في الجلسة الواحدة، لتتاح الفرصة للأفراد، كي يعدوا للمدارسة إعداداً، ويتهيأوا للتعبد تهيؤاً، فلا يملوا، ويسأموا، وينزلقوا إلى اعتياد الجلسات اعتياداً، فتنحرف النفوس من الشعور العبادي إلى الشعور العادي، وتفقد النصوص الشرعية ثمرتها التربوية بالنسبة إليهم خاصة، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، مربي الأمة، يبلغ رسالته التربوية على أساس منهج التخول.

فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا"[1]، وكذلك فعل المتخرجون من مدرسته صلى الله عليه وسلم فعن أبي وائل شقيق ابن سلمه، قال: "كان ابن مسعود رضي الله عنه، يذكرنا في كل خميس مرة، فقال له رجل: "يا أبا عبد الرحمن، لوددتُ أنك ذكرتنا كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك، أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها، مخافة السآمة علينا"[2].

ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من النصوص في اللقاء الواحد، فالقرآن نفسه، إنما نزل منجماً، وفي ذلك ما فيه، من الفوائد التربوية، والتتبع، المرحلي لتطور المستوى التديني للصحابة، وللنسخ أثر كبير في إقرار هذا المعنى، كما حصل في تحريم الخمر مثلاً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كان إذا حدث بحديث، أوجز، وأقل، ولم يسرد سرداً، فعن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "ألا يعجبك أبو هريرة، جاء يجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني، وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يسرد الحديث كسردكم"[3].

وربما هيأ الناس بكلامه صلى الله عليه وسلم، ليستعدوا استعداداً خاصاً حتى يستقبلوا جيداً مفاهيم هامة، فيرقي المتربين إلى مقام تعبدي رفيع ثم بعد ذلك يبث وصيته. وذلك نحو ما رواه أبو نجيح العرباض بن سارية، رضي الله عنه، قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: "يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا" قال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي وإنه من يعش منكم، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ،وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"[4].

هذا وقد كان عرض الرسول صلى الله عليه وسلم، للنصوص القرآنية، وكذا لحديثه الشريف صلى الله عليه وسلم، عرضاً يطبعه -إلى جانب الإقلال والتخول- التفصيل، والترسيل، حتى يتم الإفهام على أحسن صورة، فعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا تكلم بكلمة، أعادها ثلاثاً، حتى تُفْهم عنه"[5]، و"كان يحدث حديثاً، لو عده العادّ لأحصاه"[6]، وذلك أنه "كان في كلامه ترتيل أو ترسيل"[7]... وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلاماً فصلاً يفهمه كل من يسمعه"[8].

إذن فكل هذه العناصر، من تَخَوُّل وإجراءات تربوية تنزيلية، إنما هي لصناعة الحال التعبدي للجلسة، الذي يقرّب المتلقين إلى مستوى النص الشرعي، فيحصل التفاعل،إضافة إلى ما يبذلونه من جهد، مَهْمَا تواضع، لاستثماره، فتكون الفائدة التربوية المرجوة طيبة بإذن الله.

(د) ثم إن دعوة الناس إلى الكتاب والسنة، في المجال التربوي، ليست على غير أساس، ولا نظام، بل لابد من عمل جماعي منظم، يملك مجموعة من المربين، المؤطرين، المختصين في الصناعة التربوية الدعوية. هؤلاء لا يجوز أن ننسى دورهم في تنزيل العملية التربوية، وتذليل العقبات أمام المتربي، قصد تمثل أحسن للمفاهيم الإسلامية، من مصادرها الشرعية ولكن طبعاً ليس بالنهج الوساطي، إذ هناك فرق كبير بين دور المربي، ودور الوسيط.
 


الهوامش:
[1] متفق عليه، البخاري، (68)، مسلم، (82).
[2] المرجع السابق
[3] جامع بيان العلم، 2/148.
[4] رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
[5] رواه البخاري، (95).
[6] متفق عليه، البخاري، (3567)، ومسلم، (3374).
[7] رواه أبو داود، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 4823.
[8] رواه أبو داود، واحمد، وابن سعد، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 48.

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
شبهة حول التربية المصدرية... د. فريد الأنصاري doc

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى