في مملكة الله... د. فريد الأنصاري

في مملكة الله... د. فريد الأنصاري






إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛
كان القرآن؛ فكانت الصلاة... وكانت سورة الفاتحة هي الصلاة[1]، و"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"[2]، و"ما أنزل الله عزوجل في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن"[3]، لكن مقام الوقت يدعوك الساعة يا ولدي؛ للدخول إلى مملكة الله، عبر قراءة ما تيسر من القرآن، بعيد التأمين على دعاء فاتحة الكتاب.

فيا أيها الجناح الضارب في سفارك إلى الحبيب، تجتاز آفاق الآكام والوديان، هذا مقام الأنس؛ فافتح تباريح المحبة عند فاتحة الكتاب، تنقلك خفقة نور إلى بحار الله، وما أدراك ما بحار الله؟ إنها الجمال ذو الجلال المطلق، أو قل هي الجلال ذو الجمال المطلق، المشع – سرمدًا – من كلمات الله، بل {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109]، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]، فتمل جمال النور العظيم، إذ يرسم الحرف القرآني في النفس؛ شعاعًا لا يصطدم بساحل، فترى أن العمر، كل العمر، لا يكفيك، ولا لتذوق كأس واحدة من بحر عطاء الله العذب الصافي.

كانت أصداء التأمين ما تزال تتجاوب مع أصداء السماء.. وكان فؤادك ما يزال يخفق إجلالًا لجمال الله، هذا مقام الغني العالي، فآيات الفاتحة السبع، كانت كافية لمحو كل آثار الطين من ذاكرتك، ثم لعمران القلب بحب الله، فلكؤوس السبع المثاني طفح؛ يملأ الجوانح، شوقًا إلى عبور مقام الإذن؛ للتملي في ملكوت الله، فيا صاح افتح حدائق القرآن العظيم، تنل مزيدًا من عطاء الله، {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} [الحجر: 87، 88] فكل متع السراب سراب.

ألا ما أفقرك أيتها العير المحملة بالمال، تسعين ذلولا في ركب السلطان لبناء المجد الفان، فاستزد يا صاح غنى من روح الله، تشتعل الآيات في دربك قناديل مزهرة أبدًا، حتى تلقى مولاك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 98، 99].

بين الفاتحة وبين قراءة ما يتيسر من الآيات، قيامًا بين يدي الله، برزخ شوق ينتفض، رغبة في الارتقاء إلى مقام الجوار، أوليس "يقال لصاحب القرآن، اقرأ وارتق ورتل، كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها"[4]، رتل إذن لا هَذاّ ولا عجلة، بل قراءة "مفسرة حرفًأ حرفًا"[5]، كي تتذوق رشفات النور، وتستطيع تلبية عزائم الانطلاق في بحار المحبة، فإن الخطب جليل وثقيل، فانشر شراع التملي {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 4، 5]

كانت أقواس النور تمر بين يديك هادئة وضاءة، فتلج منها إلى عوالم متعددة، مختزلًا بذلك أمكنة وأزمنة شتى، وناظرًا بقلب تملؤه الرهبة إلى اللامكان واللازمان، متعلقًا بأنوار الأسماء الحسنى، فيزداد حسن الترتيل، وجمال الخشوع بحدائقك، حسنا وجمالا، فاخشعي يا حناجر الطير الشجية، المائلة عند أبواب الكمال، "إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله"[6].

هذه قناديل القرآن الأولى، تسكب بين ضلوعك لطائف العلم فتزداد معرفة بالله، لتحقيق مقام التوحيد، ربوبية وألوهية، أما الربوبية فتنشر عليك ظلال الخضوع التام لسيد الكون، فتتملى جمال الخالق في أسمائه وصفاته، ويتجلى لك نور الهدى، في تنزيه مولاك تنزيهًا يقوم على إثبات صفات الكمال، ونفي التشبيه والمثال، وأما الألوهية فتدعوك إلى تخليص مشاعرك – وأنت تخطو في درب التعبد بالأقوال والأفعال – من كل قصد سوى الله.
........

ويستمر الترتيل: فتستمر الأنوار الطافحة تنير جوانحك بمعرفة الله، وتذوق وحدانية الخلق والصنعة، في ربوبيته تعالى، وتكثر أنوار القناديل بين يديك، حتى يمتلئ بصرك يقينًا في الله، فيا سالك: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 59 - 65].

ها هي ذي أنوار العلم قد ملأت قلبك بمعرفة الله، فتأهبت أجنحتك لتطير من مدار توحيد الربوبية – في سفارك – شوقًا إلى تمحيص مقاصدك، التي مدت أغصانها إلى الله رغبة ورهبة، فانفتح عليك توحيد الألوهية شلالا من نور، لتطهير أزهار التعبد النابتة في القلب، من روائح الصلصال المسنون.

فسبحانك سيدي لا معبود بحق سواك، سبحانك أنت المعطي وأنت المانع، سبحانك أنت الضار وأنت النافع.
كانت معاني توحيد الألوهية في القرآن، تنشر ظلال النور على القلب المتبتل، فتصفر مقاصده، الضاربة في أعماق الجداول اللاهجة بذكر الله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الروم: 30 - 34].

ذلك بهاء التوحيد، ضياء يشرق من فضاءات القرآن، على جمال التشريع الكوني، وجمال التشريع التكليفي، فيبرز التناسق والتوافق بين مدارات الأفلاك، والأشياء والفصول من جهة؛ ومدار الإنسان من جهة أخرى، فيبهرك كمال الصنع وجمال التدبير وجلال المقصد والمصير.

وتنتفتح أقواس النور – بعد التوحيد – في القرآن تترى، فتلج منها إلى عوالم أخرى، محتفظًا بأذواق المقام الأول في قلبك، وتمر عبر شلالات أخرى، استشفاء مما بقي من أسئلة مقام الحيرة: من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟ ولماذا؟.. واستشفاء مما بقي من وخزات الشيطان والنفس الأمارة: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء: 82].

فترى الموت والحياة في الأرض يتعاقبان، كما تتعاقب الظلمة والنور، وتدور فصول الحياة بين ربيع وخريف، بدءًا بقصة الخلق، وقصة آدم عليه السلام مع إبليس اللعين، مرورًا بدعوات الرسل عليهم الصلاة والسلام، فترى أمواج البشرية بين إقبال وإدبار، وبين إيمان وصدود، جيل ينسخ جيلًا، والناس في غفلة رهيبة عن سنة الحياة الصارمة، أشجار تورق ثم تزهر، ثم... ثم تمسي هشيمًا في ليالي الأشباح، فسل الرياح كم رمت في البطاح.

كانت قصور شامخات وتكون، وكانت جبابرة ومستضعفون، يسقط فرعون ويقوم آخرون، ولرياح الخريف دورة لا يتخلف موعدها أبدًا، فإذا الحدائق أزهرت شهواتها، وطفحت نزواتها، {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] وي... كأن لم تغن بالأمس... كأن لم تغن بالأمس.

وتمر دعوات الأنبياء، ومضات بارقة في ظلمات التاريخ، فتورق شجيرات في ظلال النور ويأبى فريق من الناس إلا نفورًا، وتمضي الرغبة العمياء لاهثة وراء الجاه والسلطان، وإنما هو ركض في مملكة الله الواحد القهار، عجبًا! كيف ينازع ملك يموت الملك الحي الذي لا يموت؟!

وتبقى المملكة لسيدها ابتلاء وذكرى لكل اللاحقين: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 25 - 29].

ثم تمضي بك أقواس الدعوات النبوية إلى عالم اليوم الآخر.. فينبعث فيك الإحساس بالهول الكبير، إزاء يوم القيامة، وتنقدح الحركة الكبرى في يقينك، موعدًا عامًا للقاء الله في يوم الفصل، فإذا الأرض تحت قدميك ترج رجا، وإذا الجبال تهب في الفضاء الواسع ريحًا وغبارًا، وإذا السماء تطوى طيا، بأفلاكها وكواكبها، تهييئًا لخلق كوني جديد، لست أدري هل علقت شيئًا مما قرأت أم لا؟! أنظر إلى الجبال تهترئ صخورها، فينسفها الله نسفًا، فترى الأرض قاعًا فارغًا ممتدًا، لا ترى فيه عوجًا ولا أمتا، ومد عينيك إلى الأفق وتمل ذرات الغبار الراحل إلى الله، فقبل قليل، بل قبل أقل من ومضة برق، أو قبل أقل من لمحة عين؛ كان جبالا راسيات، ترسخت متانتها أوتادًا عبر أزمنة جيولوجية شتى، شيء رهيب، لا ينوب عن تصوير رهبته إلا أن تراه حقًا، تكوين جديد يفصل بين عالمين، أو قل بين نفختين، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر: 68].

وترى بعينيك أهوال القيامة، صعقًا ونشورًا، فيزداد مقام الخوف والرجاء بذاتك توهجًا، وتتذلل بين يدي سيدك مرتلا آياته عبر شلال دمع، متبتل، منيب: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 1، 2] فيتجلى ربك للقضاء بين خلقه، وما أدراك ما تجلي الرب للقضاء بين خلقه؟ أين الملوك والجبابرة؟ وأين المردة والشياطين؟ وأين الأنبياء والأتقياء؟ وأين قوافل المستضعفين؟ ثم أين أنت بين ذلك كله؟

كانت الأنفس بارزة لا يخفى على الله منها شيء، وكانت الأبصار خاشعة {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] وتحل اللحظة الفاصلة بين الحق والباطل، بجلالها وجمالها، وينتظم الناس ليعرضوا على ربهم صفا، ويقوم جبريل عليه السلام والملائكة أيضًا صفا..و...

{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر: 69]، فيتشكل الناس بعد ذلك فريقين، كل فريق يمضي إلى عكس جهة الآخر، أفواجًا، أفواجًا، فيفترق بافتراقهما (مقام الخوف والرجاء)، {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} [الزمر: 71]، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73].

كانت الصور تمر حية بمقامك، وأنت راحل عنك إلى حيث مشاهدها، وكانت الجوانح يطفح لهيبها ببكاء عميق، خوفًا أن يزيغ البصر عن محراب القانتين، فيرجك سؤال الملك الجبار:
{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]
وتمضي مع الترتيل الجميل مسلمًا: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16].

أي شيطان هذا الذي صرف الطير عن التغريد في البكور؟ من ذا الذي أخرس الترتيل في حناجر؟ ما فطرت إلا على ذكر خالقها، فأغواها بالتمرد الأخرق، ثم مضت تنعق في ظلمات الفجور؟
من ذا الذي أطفأ هذا القنديل الجميل، في عيون ما أبصرت إلا لتتملى الصفاء في محاريب النور؟

معان شتى من الأسى والأسف، تخفق في قلبك، وأنت في وهج صلاتك، تتذوق جمال القرآن، وروعة التعبد فتصغى {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 27 - 30] أو يهجر يا صاح وهو الذي لو أنزل {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]؟

كانت الرهبة قد هدت أغصانك، وكان الرجاء يمسح عليها بأنداء الدعاء المزهر في ألق القرآن، فتحيي لطائف سورة الفاتحة في قلبك من جديد، ذكرى طيبة، ثم تسري بعروقك راحة تامة، وسعادة عميقة، مما نالك من رحمة الله وفضله: "هذا لعبدي... ولعبدي ما سأل"[7].


الهوامش:
[1] تأمل الحديث الشريف "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي...".
[2] متفق عليه، واللفظ للبخاري.
[3] رواه النسائي، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، (92).
[4] رواه أبو داود، والترمذي، وصححه، (126).
[5] رواه ابن المبارك في الزهد، وأبو داود، وأحمد بسند صحيح، (125).
[6] رواه ابن المبارك في الزهد، والدارمي، وابن نصر، والطبراني وأبو نعيم في (أخبار أصبهان) والضياء في (المختارة)، وقال الألباني: حديث صحيح: (127).
[7] رواه مسلم، رقم: (395).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
في مملكة الله... د. فريد الأنصاري doc

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى