كشف الهم والكرب من ثمرات التوكل

كشف الهم والكرب من ثمرات التوكل






إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد، فإن من ثمرات التوكل على الله أنه لله يمد المتوكل بعونه، ولا يتخلى عنه إذا حلت بساحته الخطوب، وأحاطت به المصائب والكروب، فهو سبحانه يستجيب الدعاء، ويلبي النداء، ويكشف الهم والحزن والكرب الذي يأخذ النفس.
قال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 76، 77]
فنوح عليه لاسلام دعا الله تعالى فاستجاب له ربه فحماه ونصره على عدوه فالله تعالى منجي المؤمنين الصادقين في التجاءهم واستنصارهم بالدعاء وبالتوكل عليه سبحانه، فقد أصيب نوح عليه السلام من أذى قومه الكثير، فأصبح في كرب عظيم، وغم شديد فخلصه الله مما هو فيه، فأغرق قومه المكذبين والمنهمكين في الشر، وما اجتمعت هاتان الخصلتان في قوم إلا وأهلكم الله تعالى[1].
هذا دعاء المخلصين استجاب لهم ومدهم بعونه، فكيف بالخالق العظيم اللطيف وهو يستجيب لدعاء المشركين لا استجابة لهم، بل لأنه تعالى أعلم بحالهم في تلك الساعة المؤلمة من الدعاء فقد أخلصوا بها الدعاء ولجأوا إلى الله تعالى رغم أنوفهم، قال تعالى يصور تلك الحالة: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } [الأنعام: 63، 64]
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس: 22، 23]
" فالله تعالى يمتن على عباده، في انجائه المضطرين منهم في ظلمات البر والبحر، الحائرين الواقعين في المهامة البرين وفي اللجج البحرية، إذ هاجت الرياح العاصفة، حينئذ انفردوا بالدعاء له وحده لا شريك له"[2].
وفرحوا بالريح الطيبة المسيرة لفلكهم، حتى إذا جاءت الريح الشديدة، واغتلم البحر عليهم، وظنوا هلاكهم هنا في هذه الساعة دعوا الله وأفردوه بالدعاء والابتهال، وبعد النجاة رجعوا إلى ما هم عليه من ظلم لأنفسهم باتخذ الأصنام والأوثان عباد من دون الله[3].
فالكرب والهم والحزن أمور قد ذمها الشارع الحكيم لما لها من مضار تؤثر على نفس المؤمن؛ لأنها دليل عدم الرضا بالقدر، ولكن المؤمن يدفع هذا بأساليب، دل عليها الإسلام وأمر بالتمسك بها وذكرها.
"فعن أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله r: ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب، أو في الكرب: لا إله إلا الله ربي لا أشرك به شيئًا"[4]، و (عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت"[5].
هذا مع الإخلاص والإقبال على الله، وأن يلبس المؤمن لباس الذل أمام العلي القادر، فرسولنا الكريم وصحبه الكرام أصابهم الهم والكرب والحزن.
أصابهم الكرب والحزن عندما ضيق عليهم المشركون في مكة الحصار، أصابهم الكرب والحزن عندما هاجروا وتركوا مالهم وأولادههم وذريتهم وأزواجهم في يد أعدائهم وهم من أهلهم.
أصابمه الكرب والحزن عندما آذى المشركون رسولهم الحبيب أصابهم ما اصابهم ولكنهم احتسبوا ذلك على ربهم توكلوا وأنابوا إلى ربهم مقصدهم وهمهم إظهار دين الله وما توكل أحد على الله جل وعلا من صحة عقيدة وإخلاص حتى كان الله تعالى قد ضمن الكفالة لهم بما حوته يده سبحانه.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]
هذه هي سنة الله للمخلصين ليمحص، ويميز بين أوليائه وأولياء الشيطان ويضع الحد الفاصل للحق والباطل منذ أن خلق الخليقة وأنزل عليهم المرسلين.
قال تعالى: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الصافات: 75، 76] وقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 114 - 122]
هؤلاء من أنبياء الله أخلصوا اللجوء إلى الله تعالى لمعرفتهم، ويقينهم بالله تعالى، أنه هو من يأخذهم، ويدفع عنهم كروبهم، وأحزانهم خاصة إذا لجأوا بقلب وجل تائب، فكم من مضطر فرجت كربته بدعائه.
 
الهوامش:
[1] انظر للبيضاوي، أنور التنزيل وأسرار لتأويل، ص 434
[2] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (2/222)
[3] انظر: المصدر السابق (2/640)
[4] أبو داود (1525) واللفظ له، وابن ماجه (3882)، واحمد (6/369)، والألباني (1/284) وقال صحيح.
[5] أبو داود (5090) وقال الألباني (3/959)، حسن صحيح الكلم الطيب (121) ص49

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
كشف الهم والكرب من ثمرات التوكل doc
كشف الهم والكرب من ثمرات التوكل pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى