الرد على الشيخ الجفري في فتوى جواز تهنئة النصارى بأعيادهم... د. مهران ماهر عثمان

الرد على الشيخ الجفري في فتوى جواز تهنئة النصارى بأعيادهم... د. مهران ماهر عثمان






الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
يتداول الناس فتوى للشيخ الجفري هذا مفادها: تهنئة النصارى بأعيادهم كانت تساوي فيما سبق الإقرار على المعتقد اعتماداً على عرف الناس فكانت حراماً أما الآن فتساوي البر اعتماداً على أن العرف والثقافة والعادة تغيرت!!
وهذا ردي على هذه الفتوى:

أولاً: ادعى الشيخ أن مسألة التهنئة ليست من المسائل النصية، أي: لم يرد نص في شأنها، وهذا خطأ، فلقد دلت النصوص على تحريم ذلك، منها: الآيات الآمرة بالنهي عن المنكر.
فأعيادهم هذه قائمة على الكفر بالله، فماذا يجب على المسلم حيال ما هو قائم على الكفر: الإنكار؟ أم التهنئة به؟!! لا ريب أن الواجب: الإنكار. قال ربنا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: 78].
وعدم إكراه الكافر على الإسلام شيء، وتهنئته ومشاركته في شيء يتعلق بشعائر دينه وكفره  شيء آخر، لئلا نخلط بين المسائل.
ومن نصوص السنة الدالة على تحريم هذه التهنئة:
 ما ثبت عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلاً ببُوانة (موضع قرب مكة). فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد»؟ قالوا: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم»؟ قالوا: لا. قال: «فأوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملِك ابن آدم» أخرجه أبو داود وأصله في الصحيحين.
وجه الدلالة من الحديث: دل هذا الحديث على أن الذبح في مكان سبق في الماضي للمشركين أن أقاموا فيه عيداً لهم معصية، لأنه قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله»، ولولا اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا العموم لما كان في الكلام ارتباط، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم منزه عن مثل ذلك.
فالوفاءُ بالنذر لله في مكانٍ سبق أن المشركين احتفلوا فيه معصية.
ففي الحديث: أن بوانة، لو سبق قبل عشرات السنين أن المشركين احتفلوا بعيدهم فيها، فلا يجوز لي أن أجعل منها مكاناً للوفاء بالنذر، والنذر لله، لماذا؟ للمباعدة الشديدة بين المسلم وبين أعياد المشركين، أفيعقل: أن يكون الوفاء بالنذر في مكان سبق أنهم احتفلوا فيه حرام لأن الشرع يهدف إلى خلق مباعدة شديدة بين المسلم وبين أعيادهم، ثم تكون التهنئة بهذه الأعياد حلال أو مستحبة كما ادعى الشيخ!! لا والله.
وهذا يسميه العلماء: قياس الأولى.
ومثاله: الاستدلال بالآية: ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾ [الإسراء: 23]، على تحريم ضربهما لأن الضرب أولى بالحكم من المنصوص عليه.
إذاً: مسألة النهي عن تهنئة النصارى بأعيادهم مسألة نصية.
 
ثانياً: القاعدة التي ذكرها الشيخ الجفري والتي تتعلق بالعادات واعتبارها في الحكم هذا فيما لو لم تخالف العادة نصاً، والعلماء يعبرون عن ذلك بقولهم: "العادة محكمة".
مثال ذلك: السفر يبيح للصائم أن يفطر في نهار رمضان.
كم هي مسافة السفر؟
لم تُحدد في الشريعة، لم يرد نص في ذلك.
هنا يُقال: العادة محكمة، فكل ما تعارف الناس على أنه سفر فهو سفر، وإلا فلا، بغض النظر عن طول المسافة وقصرها.
قال الناظم:
وكل ما جاء في الشرع ولم يحدد ** كالحرز فبالعرف احدُدِ
فهذه القاعدة لا مجال لها فيما يستند على نص من كتاب أو سنة من الأحكام، ومسألة التهنئة بأعياد المشركين دلت النصوص على المنع منها، فالعادة والعرف لا يبيحان محرماً حرمته نصوص من الكتاب أو السنة، فلا مدخل للعرف هنا أصلاً.
 
ثالثاً: ما معنى هذه الآية: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]؟
ما معنى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾؟ هل معنى ذلك أن نهنئهم بأعيادهم!؟
والجواب: أما معنى الآية: تبروهم: تحسنوا إليهم.
تقسطوا: تعدلوا.
فأين هذا من مشاركتهم فيما حرَّم الله؟!
نحسن إليهم في زيارتهم، في التصدق عليهم، في الدعاء لهم، في تهنئتهم بنجاحٍ أو وظيفةٍ أو قدوم من سفرٍ، في تعزيتهم في ميتهم بلا استغفار لكافرٍ، صور الإحسان لا تعد ولا تحصى.
أما المشاركة في الأعياد ولو بتهنئة فهذه من المحرمات التي يتعين اجتنابها.
فكما أنه ليس من الإحسان المنصوص عليه في الآية: أن نجاملهم بأداء صلاتهم! أو أن نستغفر لميتهم ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، أو أن نصلي معهم مجاملة لهم، أو أن نعلق صليبهم على صدورنا، فكذلك: التهنئة بأعيادهم، فهي حرام بالاتفاق.
قال ابن القيم رحمه الله: "وَأَمَّا التَّهْنِئَةُ بِشَعَائِرِ الْكُفْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، مِثْلَ أَنْ يُهَنِّئَهُمْ بِأَعْيَادِهِمْ وَصَوْمِهِمْ، فَيَقُولَ: عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْكَ، أَوْ تَهْنَأُ بِهَذَا الْعِيدِ، وَنَحْوَهُ. فَهَذَا إِنْ سَلِمَ قَائِلُهُ مِنَ الْكُفْرِ فَهُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُهَنِّئَهُ بِسُجُودِهِ لِلصَّلِيبِ، بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمًا عِنْدَ اللَّهِ وَأَشَدُّ مَقْتًا مِنَ التَّهْنِئَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَارْتِكَابِ الْفَرْجِ الْحَرَامِ وَنَحْوِهِ. وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَا قَدْرَ لِلدِّينِ عِنْدَهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَدْرِي قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَمَنْ هَنَّأَ عَبْدًا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ كُفْرٍ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ" [أحكام أهل الذمة 1/ 441].
فالإحسان إليهم شيءٌ، والتهنئة والمشاركة في أعيادهم شيء آخر.
 
رابعاً: ما هي المناسبة التي يحتفلون بها؟ أعياد الميلاد، يحتفلون بعيد ميلاد المسيح من أبيه (الله) تعالى الله، ومن أمه مريم.كيف يصح للمسلم أن يهنئ بمناسبة كفرية كهذه؟!!
والله يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 88 – 93]
وسأضرب مثلاً ذكرته من قبل: كلنا يتألم لما وقع في فض الاعتصام، أريقت الدماء فيه دماء شبابنا.
أرأيتم: لو دَعا بعض من لا دين لهم إلى الاحتفال بمناسبة فض الاعتصام؟ بمناسبة قتل الثوار؟ لا أقول بمناسبة (الثورة) أتحدث عن مسألة فرضية، احتفال بإراقة الدماء، لو أن احتفالاً أقيم بهذه المناسبة ماذا سنسمي من يهنئ أصحاب هذا الاحتفال؟ خائنون بلا ريب، لماذا؟ لأن التهنئة مشاركة، فلا فرق بين من فض الاعتصام وأراق الدماء، وبين من احتفل بهذه الحادثة، وبين من هنَّأ المحتفلين بها.
كذلك هنا: من أقام الأعياد الباطلة، ومن احتفل معهم، ومن هنأهم، كلهم آثمون.
وهذا ظاهر إن شاء الله.
 
خامساً: أذكر بحكم شرعي مهم: أن طاعة العلماء في تحليل الحرام أو تحريم الحلال شرك بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].
ومعنى الآية: ولا تأكلوا -أيها المسلمون- من الذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها عند الذبح، كالميتة وما ذبح للأوثان والجن، وغير ذلك، وإن الأكل من تلك الذبائح لخروج عن طاعة الله تعالى. وإن مردة الجن ليلقون إلى أوليائهم من شياطين الإنس بالشبهات حول تحريم أكل الميتة، فيأمرونهم أن يقولوا للمسلمين في جدالهم معهم: إنكم بعدم أكلكم الميتة لا تأكلون ما قتله الله، بينما تأكلون مما تذبحونه، وإن أطعتموهم -أيها المسلمون في تحليل الميتة- فأنتم وهم في الشرك سواء.
لماذا؟
لأنهم اتبعوهم في تحليل ما حرم الله، وهذا ما يعرف عند العلماء بشرك الطاعة.
فاحذر من طاعة أحد في تحليل حرام أو في تحريم حلال.
فالحلال ما أحل الله
والحرام ما حرم الله.
والعلماء مبلغون –فقط- عن الله.
والحمد لله في البدء والختام.
كتبه: د. مهران ماهر عثمان
 

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الرد على الشيخ الجفري في فتوى جواز تهنئة النصارى بأعيادهم doc
الرد على الشيخ الجفري في فتوى جواز تهنئة النصارى بأعيادهم pdf

ذات صلة

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى