دراويش غنابادي...لماذا يزعجون الملالي؟! محمد بن عبد الله المقدي

دراويش غنابادي...لماذا يزعجون الملالي؟! محمد بن عبد الله المقدي



 محمد بن عبد الله المقدي
almagdy3@gmail.com
مقدمة:
ساهم الفرس بشكل ملحوظ في تنمية  التصوف، وحصتهم في نشر التشيع لايمكن إنكارها، حيث يصف الباحث في مجال التصوف الفرنسي "هنري كوهين" العلاقة بين الإيرانيين والتصوف بأن لكل إيراني جينات صوفية في دمه.
 ومن هنا تأخذ علاقة التشيع بالصوفية اهتمامها، ويزيد هذا الاهتمام حينما يكون الحديث عن الصوفية الشيعية وعلاقاتها بنظام ولاية الفقيه في جمهورية الملالي، فقد تحدثت عدة تقارير إعلامية عن تعرض "الصوفيين الشيعة" إلى قمع واضطهاد مستمرين منذ أن بدأت ظاهرة الانتماء إلى هذه الطريقة تتسع في مختلف أنحاء إيران...
  • فمن هم الصوفيين الشيعة أو ما يطلق عليهم "دراويش غنابادي"؟
  • وما أبرز الاضطهادات والممارسات القمعية التي تمارس ضدهم من قبل السلطات الإيرانية؟
  • وما الأسباب الكامنة وراء هذا الاضطهاد؟
وفي هذا التقرير نجيب على هذه التساؤلات الرئيسة على النحو التالي:

من هم دراويش غنابادي؟

فى بداية القرن الثامن الهجري، أسس القُطب الصوفى الشيعي "سيد نور الدين شاه نعمت الله"، إحدى الطرق الصوفية داخل إيران، لتجذب هذه الحركة جمهورًا واسعًا تابعًا لها في شمال إيران.
وتفرعت هذه الطريقة الصوفية إلى طرق مختلفة من بينها "الغنابادية"، التى يعتنقها "الدراويش الغناباديون"، والذين يُطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى مقرهم الرئيس الواقع في منطقة غناباد جنوبي محافظة خراسان رضوي، الواقعة شمال شرقي إيران، وكانت تسمى سابقًا غنابا، وجنابد.
ورغم أن عددهم لم يزد عن 100 ألف قبيل الثورة الخومينية في البلاد عام 1979م، إلا أن متبعي الطريقة يزعمون أنه يوجد ما لا يقل عن خمسة ملايين شخص يتبعون هذه الطريقة في كافة أنحاء البلاد، ولا توجد أية إحصائيات رسمية تؤكد ذلك أو تنفيه.
وتنقسم جماعة "دراويش غنابادي" إلى ثلاث طرق: طريقة "ذو الریاستینی"، وطريقة "سلطان علیشاهی"، وطريقة "صفائی"، ويضم مذهبهم الصوفي أفكارًا إسلامية، ويهودية، ومسيحية وزرادشتية، بالإضافة إلى عقائد هندية ومانوية.
 ويؤمنون بأن البشرية بدأت من خلق آدم، وبأن النبي محمد –صلى الله عليه وسلم-هو خاتم الأنبياء، وأن الإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-هو رأس الإمامة التي انتقلت منه للإمام الثاني عشر.
ويعتبر منتسبو هذه الطريقة أنفسهم من أتباع الشيعة الاثنى عشرية- دين الدولة الرسمي في إيران،ولكن الحكومة الإيرانية تعتبرهم منتمين إلى مجموعة منحرفة؛ لأنهم لا يتبعون المؤسسة الدينية التقليدية التابعة للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، بل يتبعون زعيمهم الخاص نور علي تابنده الذي شغل لفترة طويلة مناصب عليا في الجمهورية الإيرانية، كما يرون ضرورة فصل الدين عن الدولة.
وبدأ تابنده، الملقب بـ"مجذوب عليشاه"، في مهامه كقطب وشيخ للطريقة الصوفية في أعقاب وفاة سلفه "محبوب عليشاه"؛ الذي ترك وصية أوصلت تابنده للقب قطب هذه الطريقة الصوفية.
ودرس تابنده العلوم الإسلامية إضافة للحقوق، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية والحصول على درجة الدكتوراه، وهو ينتمي إلى الأقطاب ذوي الخلفية السياسية؛ إذ سبق وأن عمل في الخارجية الإيرانية ووزارة العدل ومحكمة طهران قبل الثورة عام 1979م، والتي دعمها ضد نظام الشاه، وترقى بعد ذلك إلى منصب رئيس لمؤسسة الحج لفترة زمنية انتقل على إثرها إلى منصب نائب وزير العدل.

دراويش غنابادي..ملاحقات ومضايقات:

على مدار السنوات الماضية تعرضت جماعة "دراويش غنابادي" لموجات متتابعة من الاعتقالات والملاحقات من قبل السلطات الرسمية الإيرانية، كما حكمت المحاكم الإيرانية على عشرات المنتسبين إلى اتباع هذا الجماعة، بعقوبات مُغلظة تراوحت بين السجن والنفي الداخلي وكذلك الجلد، ووصلت بعض العقوبات إلى درجة الحكم بإعدام البعض منهم.
وتاريخيًا بدأت أوضاع الصوفيين الشيعة من جماعة "دراويش غنابادي" في إيران تتدهور بعد انتخاب أحمد أحمدي نجاد رئيسا للبلاد في العام 2005م، حيث تعرضت دور العبادة الخاصة لأتباع هذا المذهب للهدم، وشنت جماعات دينية تابعة للسلطة حملات دعائية شرسة ضدهم كما فقد العديد منهم عمله.
وفي عام 2006م كلّف الرئيس محمود احمدي نجاد المجلس الثقافي العام -هو أحد أذرع المجلس الأعلى للثورة الثقافية- بتنفيذ سياسات تهدف إلى مواجهة "المجموعات المنحرفة"، وخاصة التي لها طابع روحاني أو ديني، وكان المقصود بها الصوفية من جماعة "دراويش غنابادي" على وجه التحديد.
وفي الأعوام من 2006م- 2008م قامت السلطات الرسمية الإيرانية بإزالة حسينيات وتكايا تابعة للصوفيين من جماعة "دراويش غنابادي" في مدينة قم، وبروجرد، وشرامين، واعتقلت السلطات المئات من أتباع الطريقة، ومنع الكثريين منهم من الدراسة في الجامعات.
وفي عام 2009م وقعت أول عملية قمع موسعة ضد الصوفيين في إيران عقب إصدار بيان من قبل إمام جمعة مدينة أصفهان ضد الصوفيين، حيث قامت الجرافات التابعة للبلدية بتدمير ضريح "الدرويش ناصر علي" في مقبرة "تخت فولاذ" بأصفهان وتم نهب مقتنيات الضريح، وذكرت حينها جريدة "أمير كبير" أن عدد المهاجمين على المقبرة بلغ 170 شخصًا من عناصر وزارة الأمن والبلدية وموالين للمؤسسة الدينية الرسمية.
وكان الضريح مسجل كأثر تاريخي في إيران، وكان يستخدم كمكان لتجمع الصوفيين لأداء مراسمهم وطقوسهم وفقا لطريقتهم التي يتبعونها.
وبعد ذلك بدأت الاحتجاجات تتسع في مختلف المدن الإيرانية التي تضم صوفيين من أتباع الطريقة "دراويش غنابادي"، حيث تجمع أعداد منهم في العاصمة طهران أمام مجلس الشورى الإيراني واعتقلت السلطات 60 شخصًا.
وفي أكتوبر 2010م تحدث مرشد الثورة الشيعية علي خامنئي، أثناء زيارة إلى مدينة قم عن "ضرورة مكافحة المعتقدات الخاطئة والمضللة"، وعبر مسؤولون رفيعو المستوى، بما في ذلك زعماء المؤسسة الدينية، عن قلقهم مما اعتبروه تصاعدًا لشعبية ما أسموها المعتقدات "المنحرفة"، بما في ذلك طريقة "دراويش غنابادي" في صفوف الشباب.
وفي 1 سبتمبر2011م هاجمت القوات الإيرانية منازل الصوفيين وأعمالهم، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهات، وإصابة العشرات بجروح، ومقتل شخص صوفي واحد على الأقل، واعتقلت السلطات، بعد المواجهات، أكثر من 20 شخصًا من المنتمين إلى طريقة "دراويش غنابادي".
وفي الفترة من 3- 11 سبتمبر 2011م اعتقلت قوات الأمن والاستخبارات المديرين الستة لموقع مجذوبان نور الذي يتحدث بلسان جماعة "دراويش غنابادي".
في أول يوليو 2013م وجهت السلطات الايرانية اتهامات إلى 11 شخصًا من "دراويش غنابادي" بسبب نشاطاتهم الدينية، وبسبب مساهماتهم في موقع إخباري يعمل على كشف انتهاكات حقوق الإنسان ضدّ المنتمين إلى هذه الطريقة الصوفية في إيران.
وفي 10 يوليو 2013م أصدرت محكمة ثورية في طهران عقوبات بالسجن تتراوح بين سبع سنوات ونصف وعشر سنوات ونصف في حقّ سبعة صوفيين، كما تم منعهم من ممارسة أي نشاطات اجتماعية أو قانونية أو صحفية لمدة خمس سنوات بعد إطلاق سراحهم.
وفي 20 فبراير 2017م وقعت حادثة شهيرة عرفت بـ "حادثة شارع الحرس الثوري"،حيث اندلع شجار بين الشرطة وأعضاء جماعة "دراويش غنابادي" عقب اعتقال واحد منهم، حيث تعرض أعضاء الجماعة إلى إصابات واعتقل في نفس الليلة نحو 300 عضو منها.
وفي 8 مارس 2018م وضعت السلطات علي تابنده الزعيم الروحي للجماعة قيد الإقامة الجبرية، وأصدرت محكمة الثورة بطهران أحكاما بالسجن والجلد على 15 عضوا من جماعة "دراويش غنابادي"، ووصل مجموع الأحكام التي صدرت في حق الأشخاص الـ15 إلى 53 عاما،وتتراوح أحكام السجن بين شهرين إلى سبع سنوات بالإضافة إلى أحكام جلد.
وفي 19مارس 2018م أغلقت السلطات الإيرانية دار نشر لبيع كتب التصوف التي يمتلكها زعيم الطائفة الصوفية في إيران نور علي تابنده، حيث تعرض مكتبة "الحقيقة" كتب نعمت اللهي غنابادي مؤسس الجماعة الصوفية في إيران.
وفي 17 يونيو، 2018م نفذت السلطات الإيرانية حكم الإعدام بحق الصوفي محمد ثلاث، إثر إدانته بدهس ثلاثة من عناصر الشرطة الإيرانية بحافلة كان يقودها، وهي تهمة نفاها ثلاث بشدة قبل إعدامه.
وفي 18 فبراير 2019م وقعت اشتباكات دامية، في منطقة باسداران بالعاصمة الإيرانية طهران بين قوات الشرطة ومحتجين تابعين لطريقة "دراويش جنابادي".
وعلى المستوى المواجهة العلمية أصدر المرجع الشيعي فاضل ألنكراني- وهو أحد المراجع الستة الكبار في حوزة قم- فتوى دينية يحرم فيها المشاركة في جلسات الذكر التي تقيمها الفرق الصوفية أو الدخول إلى تكاياهم الخاصة،واصفًا عقائد الصوفية بالباطلة، وذلك لكون الصوفية قد أحدثت بدعة باسم الطريقة، وفرقت بينها وبين الشريعة.
 
دراويش غنابادي...لماذا يزعجون الملالي؟!

هذا القمع المتواصل على مدار السنوات الماضية من قبل السلطات الإيرانية لجماعة "دراويش غنابادي" يدل على أن هذه الصوفية الشيعية ممثلة في دراويش غنابادي باتت تشكل خطرًا حقيقيًا على النظام الديني في إيران، فما أسباب هذا القلق؟
هناك سببين رئيسيين يعود إليهما هذا القلق من "دراويش غنابادي":

السبب الأول: التعارض الجوهري مع نظرية ولاية الفقيه:
أزمة الدراويش مع نظام الملالي تأتي انطلاقًا من حالة التعارض الجوهري مع نظرية ولاية الفقيه"، فالنظام الإيراني يحمل عقيدة دينية مبنية على قراءته الخاصة عن التشيع والداعية إلى استلام الحكم وتفويضها إلى "الولي الفقيه" الذي على عاتقه تطبيق "الشريعة" من خلال أدوات الحكم ورفض أي قراءة أخرى خاصة إذا كانت شيعية؛ لذا فإن أصحاب الطرق الصوفية التي ترفض تدخل الدين في السياسة تشكل خطرًا على "ولاية الفقيه" التي تعبر عن نفسها عبر التمسك بأدوات الحكم.
أضف إلى ذلك الترويج الدائم والجهر العلني من جانب أقطاب الحركة الصوفية، بأنهم في منزلة الأئمة المعصومين لدى المذهب الشيعي، الأمر الذي يجعلهم في خلاف ديني مع الدولة وأقطاب رجال الدين الشيعى؛ لاعتبار يتعلق بأن منح الدراويش الحصانة لأئمتهم يُشكل انتقاصًا من شرعية منصب المرشد الأعلى في إيران، والذي نال سلطاته التشريعية في الدولة عبر منصبه الديني الذي لا ينافسه فيها أحد.
فالدراويش يعتقدون أن "القطب" –لقب زعيم الجماعة– هو حجتهم ومرجعهم على خلاف الشيعة التقليديين الذين يؤمنون بالمراجع الدينية وحجية كلام الولي الفقيه.

السبب الثاني: الخوف على النفوذ السياسي:
تعتبر إيران الصوفية تهديدا للمؤسسة الشيعية الحاكمة، حيث يخشى النظام الحاكم في إيران أن يؤدي هذا النفوذ إلى تحويل وإضعاف المبادئ التي قامت عليها الجمهورية الإيرانية في إيران، حيث اعتاد تابنده الخروج عن الخط الرسمي في المناسبات العامة عبر نقده لرجال السياسة في الدولة، وكتاباته الداعمة للحقوق والحريات، وتواصله مع المجموعات المحسوبة على اليسار المتدين على الرغم من وظيفته الرسمية؛ ما جعله في مرمى النقد، وموقع خطر محتمل على شرعية السلطات السياسية الإيرانية.
وقد شكلت مواقف تابنده السياسية مثل توقيعه على الرسالة المعروفة بـ"رسالة التسعين توقيعًا"، التي وجهت لهاشمي رفسنجاني حين كان رئيسًا لإيران، وتضمنت انتقادات للوضع الاقتصادي والاجتماعي والحريات في البلاد، مصدر قلق إضافي على النظام.
وربما زاد القلق من توجهاتهم السياسية إعلان زعماء التصوف هناك دعمهم للمرشح مهدي كروبي خلال الانتخابات الرئاسية التي عقدت في 2009م.
كما يعود قلق الملالي تجاه تلك الطائفة الصوفية بالتحديد؛ نظراً لكونهم غير قابلين للحشد سياسيًا ولا طائفيًا تحت مسميات "نصرة المستضعفين"، أو "تصدير الثورة" وغيرها من شعارات النظام الإيراني التي يستقطب بها مناصريه.
إلى جانب أن الجماعات الصوفية تعد شكلا من أشكال التعبئة التنظيمة وهو ما يقلق النظام الحاكم، حيث يمكن أن تمثل هذه الفرقة الصوفية شكلًا من أشكال الاستنفار والتعبئة المعارضة سياسيا للنظام.
 

المصادر:
  • الصوفية في إيران...حضورها وعلاقتها بالتشيع والتصوف، محمد حسن فلاحيه، مركز المسبار للدراسات والبحوث، الكتاب السابع والخمسين، سبتمبر 2011.
  • لماذا يتعرض الصوفیة الشيعة للاضطهاد في إيران؟، العربية نت، متاح على الرابط المختصر: http://ara.tv/zqk57
  • انتشار التصوف في إيران..نحو دين بلا سياسة،بنده يوسف،شبكة رؤية الإخبارية، متاح على الرابط المختصر: gl/yVKv33
  • الملالي يضطهدون الصوفيين لرفضهم ولاية الفقيه،هشام رشاد،العين الإخبارية، متاح على الرابط: https://al-ain.com/article/malalai-iran-sufis
  • "دراويش إيران"..ما لا تعرفه عن الطائفة التي يُهدد زعيمها سلطات المرشد الأعلى، متاح على الرابط: https://www.sasapost.com/sufi-in-iran
  • من هم دراويش إيران الغناباديون وما سبب غضبهم؟، متاح على الرابط: gl/fneEmN
  • إيران تواصل قمع الطوائف الصوفية وتغلق مكتبة لكتب التصوف، موقع اليمن العربي، متاح على الرابط:
  • حافلة تدهس الشرطة في طهران وأصابع الاتهام توجه للصوفيين، فرانس 24، متاح على الرابط المختصر: gl/V72Wtm
  • إيران تعدم الصوفي محمد ثلاث، موقع راديوا سوا، متاح على الرابط المختصر:gl/U14RGx
 
 

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
دراويش غنابادي...لماذا يزعجون الملالي؟! محمد بن عبد الله المقدي doc
دراويش غنابادي...لماذا يزعجون الملالي؟! محمد بن عبد الله المقدي pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى