الإيمان بالملائكة من أسس العقيدة الإسلامية

الإيمان بالملائكة من أسس العقيدة الإسلامية





إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد؛ فقد جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبًا لجبريل حين سأله عن الإيمان: (الإيمان: أنْ تؤمنَ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر: خيره وشره)
فالعقيدة الإسلامية أسسها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر: خيره، وشره وقد دلَّ على هذه الأسس كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله- تعالى- يقول: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [سورة البقرة: 177].
الملائكة: عالم غيبيٌّ، مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التامَّ لأمره، والقوة على تنفيذه. قال الله تعالى: {وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [سورة الأنبياء: 19، 20] وهم عدد كثير، لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رُفع له البيت المعمور في السماء، يُصلِّي فيه كلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم[1].
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم أسماءهم نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل) فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خُلق عليها، وله ستمائة جناح قد سدَّ الأفق.
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله الله تعالى إلى مريم فتمثَّل لها بشرًا سويًّا، وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه، جاءه بصفة رجلٍ شديدِ بياضِ الثياب، شديدِ سوادِ الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)[2].
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا على صورة رجال.
الرابع: مما يتضمنه الإيمان بالملائكة: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى؛ كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهارًا بدون ملل، ولا فُتُور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خَاصَّة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى، يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.
وميكائيل: الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
وإسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
وملك الموت: الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومالك: الموكل بالنار، وهو خازن النار.
والملائكة الموكلين بالأجِنَّةِ في الأرحام، إذا أتم الإنسان أربعة أشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكًا وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٍّ، أو سعيد.
والملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم، وكتابتها لكل إنسان، ملكان أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال.
والملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره؛ يأتيه ملكان، يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.
الإيمان بالملائكة، يثمر ثمراتٍ جليلةً منها:
الأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوَّته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق.
الثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكَّل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى.
وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجسامًا، وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَواتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [سورة فاطر: 1] وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [سورة الأنفال: 50] وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ} [سورة الأنعام: 93] .
وقال تعالى: {حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سورة سبأ: 23] وقال في أهل الجنة: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ (23) سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [سورة الرعد: 23، 24] .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحبُ فلانًا فأحببه؛ فيحبّه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إنَّ الله يحب فلاناً فأحبُّوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)[3].
وفيه أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام؛ طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر)[4].
وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون، وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون[5].


الهوامش:
[1] رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب المعراج رقم: (3674) ، ورواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات، رقم: (409).
[2] رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم (93).
[3] رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: (3037)
[4] رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: (3039)
[5] أنظر: نبذة في العقيدة الإسلامية، محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)، الناشر: دار الثقة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، الطبعة: الأولى، 1412 هـ - 1992 م، ص

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
الإيمان بالملائكة من أسس العقيدة الإسلامية doc
الإيمان بالملائكة من أسس العقيدة الإسلامية pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى