النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه في رمضان

النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه في رمضان





الكاتب: محمد بن عبد الله المقدي

كان صلى الله عليه وسلم حريصٌ على أزواجِه، وكان يَتَبَدَّى ذلك في حثِّه إياهن على الطاعةِ في رمضان، ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَيْقَظَ أَهْلَهُ وَرَفَعَ الْمِئْزَرَ)([1]).

قال المناوي رحمه: (وكانَ صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناسِ عشرةً لأزواجه حتى إنه كان يرسلُ بنات الأنصار لعائشة يلعبن معها، وكان إذا وهبت شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه، وإذا شربتْ شربَ من موضعِ فمها، ويقبلُها وهو صائمٌ، وأراها الحبشةَ وهم يلعبون في المسجدِ وهي متكئةٌ على منكبه، وسابقها في السفرِ مرتين فسبقها وسبقته ثم قال: هذه بتلك، وتدافعا في خروجهما من المنزلِ مرة، وفي الصحيحِ أن نساءه كن يراجعنه الحديث، وتهجره الواحدةُ منهن يومًا إلى الليل، ودفعته إحداهن في صدره فزجرتها أمها فقال لها: دعيها فإنهنَّ يصنعن أكثرَ من ذلك، وجرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخل بينهما أبا بكر حكمًا كما في خبر الطبراني، وقالت له عائشة مرة في كلام: وأنتَ الذي تزعمُ أنك نبي الله؟ فتبسم)([2]).

أليس هو القائل صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)([3]).

تقول عنه عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصفُ نعلَه وكنتُ أغزل، قالت: فنظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل جبينه يعرقُ وجعل عرقه يتوقد نورًا، قالت: فبُهِتُّ [دُهِشت]؛ قالت: فنظر إليَّ فقال: ما لك تُهبِّ؟!، فقلت: يا رسول الله؛ نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورًا، فلو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي؟ فقالت: يقول:

وإذا نظرت إلى أسِرَّة وجهه               برقت كبرقِ العارضِ المتهللِ

قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إلي فقبل ما بين عيني وقال: جزاك الله يا عائشة خيرًا ما سررت مني كسروري منك([4]).

ولم لا تعترف عائشة بهذا الفضلِ لزوجها وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو خيرُ الرجالِ لزوجاته، يذكرهن بالله،  ويوقظهن للصلاة؛ منفذًا لقول الله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132]؛ يساعدهنَّ في عملِ البيتِ بل شاهد هذا الموقفَ الذي ترويه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ (كانت عائشةُ رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره وهي جاريةٌ.

 قالت: لم أحملِ اللحمَ ولم أبدنْ، فقال لأصحابه: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي أسابقُك فسابقته.

فسبقته على رجلي، فلما كانَ بعدُ خرجت معه في سفرٍ، فقال لأصحابه: تقدموا، ثم قال: تعالي أسابقُك ونسيتُ الذي كانَ وقد حملتُ اللحمَ وبدنت، فقلت: كيف أسابقُك يا رسول الله وأنا على هذه الحال؟ فقال: لتفعلن فسابقته فسبقني فجعلَ يضحكُ وقال: هذه بتلك السبقة)([5]).

وقد كان صلى الله عليه يراعِي زوجاتِه ويحرص على استقرار الأسرة وديمومتها في أجواءٍ مستقرةٍ بعيدةٍ عن الرياء والسمعة والتشاحنِ والبغضاءِ، ودل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ (آلْبِرَّ تُرِدْنَ)؛ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ)([6]).

قال ابن حجر في فتح الباري: (وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي أن يكونَ الحاملُ لهن على ذلك المباهاةُ والتنافسُ الناشيءُ عن الغيرة، حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرجُ الاعتكافُ عن موضوعِه)([7]).

ونحن في وقتٍ صرنا نرى فيه بعض الصالحين يشتغلون في رمضانَ ببعضِ القرباتِ كالعمرةِ والقيامِ والاعتكافِ، ويتركون أهاليهم من غير توجيهٍ ولا متابعةٍ فهلَّا تأسينا بحالِ النبي صلى الله عليه وسلم.

تقول عنه عائشة رضي الله عنه: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيُدْخِلُ عَلَىَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا)([8]).

ما أجمل وأحسن هذه العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وهو معتكف، إنها التي سماها أرحم الراحمين سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

بل كانَ صلى الله عليه وسلم يباشرُ زوجاتِه وهو صائمٌ ويقبلهن، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ)([9]).

 (وقالت أهوى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقبلَني، فقلت: إني صائمة، قال: وأنا صائم فقبَّلني)([10]).

وفي حديث حفصة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ ينالُ من وجه بعضِ نسائه وهو صائم) ([11]).

وحين سأل الأسودُ ومسروقٌ أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟

قالت: (نعمْ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ)([12]).

وهذا يدلُّ على أن الصائمينَ في شأنِ المباشرةِ والقبلة ليسوا سواء، فمن كانَ مالكًا لنفسِه جازَ له ذلك، كما كان يفعلُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ومن كانَ غيرَ مالكٍ لنفسه ويخشى على صيامِه أن يفسدْ، لم يجزْ له ذلك سدًا للذريعة، ولأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ.

والمقصودُ أن الصيامَ لا يحولُ بين الزوجين والقيام بشيءٍ من رسائلِ المحبةِ ومظاهرِ التوادِّ من قبلةٍ ونحوِها، مادام أن ذلك لا يوقع في محرمٍ ولا يؤدي إلى تركِ واجبٍ، فحذار من الجفاءِ والتباعدِ، فإنها البذرةُ الحقيقيةُ للاختلافِ والمعولُ الخطرُ لهدمِ كيانِ الأسر وتفرقها.

ومن عظيم فقه صلى الله عليه وسلم لمعنى العبادةِ حينما علَّم صحابتَه الكرام معنى أن تكون حياتك كلها لله ليصدقَ قول الله تعال: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام : 162].

فقال صلى الله عليه وسلم: (وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)؛ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؛ قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) ([13]).

وقد كان صلى الله عليه وسلم يجامعُ زوجاته في الليالي العشرين الأولِ من رمضان، وهذا يدل على أن النسكَ والصلاةَ والصيامَ والقيامَ، لا تحولُ بين العبدِ وبين القيامِ بواجب الأهل.

يشهد بذلك حديث أم سلمة: (قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِى رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهله ثم َيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ) ([14]).

وحتى بعد اعتكافه فلا يعتبر هذا الاعتكافُ قطيعةً للأهلِ ولا العزلةَ المطلقةَ عن محيطِ الأسرة، إذ لا يمنعُ المرءُ من القيامِ برعايةِ أهلِه، ولا يحولُ بينه وبينَ إتيانِ شيءٍ من جوانبِ الرحمةِ ومظاهرِ حسنِ العشرةِ.

فقد خرج صلى الله عليه وسلم كما حديث صفية رضي الله عنها، لحماية زوجته وليوصلها: (عن عَلِىُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم- جَاءَتْ إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ وَقَامَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَقْلِبُهَا [أي يردها إلى بيتها]) ([15]).

فأين هذا ممن يرتدي أزياءَ التعبدِ ثم تجدُ حظَّ أهلِ أحدِهم من أخلاقِه أسوأِها ومن أوقاتِه آخرِها، ومن تفكيره فضلتِه، ومن اهتمامه ثمالتِه، حتى ما عادوا يطمعون في عطفِه وإحسانِه، ولا يأملونَ في برِّه وشيءٍ من خيره، ثم هو يرجو منهم غايةَ البرِ وتمامَ الإحسانِ.

حقًا إنك لا تجني الشوك من العنب ولا من العلقم عسل.

almagdy3@gmail.com 

الهوامش:

([1]) رواه البخاري، (1920).

([2]) فيض القدير، المناوي، (3/661).

([3]) رواه الترمذي في سننه، (3895)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (3895).

([4]) الرحيق المختوم ص(476).

([5]) رواه أبو داود في سننه، (2580)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (2578).

([6]) رواه البخاري، (1928)، ومسلم، (2842).

([7]) فتح الباري، ابن حجر، (4/324).

([8]) رواه البخاري، (1925)، ومسلم، (711).

([9]) رواه مسلم، (2630).

([10]) رواه أحمد في مسنده، (25469)، وقال شعيب الأرنؤوط، (6 / 175): إسناده صحيح على شرط البخاري.

([11]) رواه أحمد في مسنده، (26488)، وقال شعيب الأرنؤوط، (6 / 286): إسناده صحيح على شرط مسلم.

([12]) رواه مسلم، (1106)، والإرب: هي الحاجة.

([13]) رواه مسلم، (2376).

([14]) رواه البخاري، (1825).

([15]) رواه مسلم، (5809).

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه في رمضان.doc doc
النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه في رمضان.pdf pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى