ازدواجية الخطاب لدى حمزة يوسف وعبد الله بن بيّه

ازدواجية الخطاب لدى حمزة يوسف وعبد الله بن بيّه






الكاتب: توماس باركر
خلال الأسبوع الماضي، اختتمت الإمارات العربية المتحدة النسخة الخامسة من منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، بحضور عدد من العلماء المسلمين، والقيادات الدينية من مختلف الأديان، وبحضور شخصيات سياسية غربية.

المفارقة المثيرة للسخرية في هذا المنتدى للسلام هو أن فعالياته تدور في دولة الإمارات، وهو أمر لم يفت الكثيرين. حيث أن الإمارات هي في الواقع جزء من التحالف الذي يتسبب حاليا في المجاعة في اليمن، التي تهدد حاليا حياة عدد يصل إلى 12 مليون ساكن، بحسب بيانات الأمم المتحدة، إلى جانب اتهامات أخرى موجه لها بالتورط في عدد من جرائم الحرب.

تركزت أغلب ردود الأفعال على شبكة الانترنت حول التعليقات الغريبة التي أدلى بها الشيخ الأمريكي الشهير حمزة يوسف، الذي أشار في سياق مديحه لالتزام الإمارات بالتسامح، إلى أن هذه الدولة توجد فيها "وزارة للتسامح، وهي ملتزمة بقيم المجتمع المدني". والأكثر إثارة للصدمة في هذا التصريح بالنسبة لكثيرين، هو ليس الخطاب المزدوج في حد ذاته، بل الشخص الذي صدر عنه الخطاب.

بالنسبة لمن يفضلون التفكير بإيجابية، فإن أول افتراض يخطر ببالهم هو أنه لا علاقة لمكانة هذين الرجلين كوجوه دينية، بعالم السياسة. ولكن هذه الفرضية تتجاهل التجربة الطويلة للشيخ بن بيّه في دوائر السياسة.

فكيف يمكن للشيخ حمزة يوسف، الذي نشأ كثيرون منا وهم يستمعون إليه، إضافة إلى أنه يحظى باحترام كبير، إلى جانب معلمه عبد الله بن بيّه الذي يعد عالما إسلاميا من أعلى الدرجات، أن يقبلا بكيل المديح بكل هذه الأريحية تجاه دولة الإمارات.

ارتباطات سياسية
بالنسبة لمن يفضلون التفكير بإيجابية، فإن أول افتراض يخطر ببالهم هو أنه لا علاقة لمكانة هذين الرجلين كوجوه دينية، بعالم السياسة. ولكن هذه الفرضية تتجاهل التجربة الطويلة للشيخ بن بيّه في دوائر السياسة.

إذ أن هذا الشيخ كان عضوا في الحكومة واللجنة الدائمة في حزب الشعب في موريتانيا، الذي كان هو الحزب الحاكم في البلاد، وعلى مدى 8 سنوات. وقد تقلد هذا الرجل عددا من المناصب، وصلت إلى درجة وزير في ثلاث مناسبات. كما أن ابنه، شيخنا بن بيّه، الذي يدير علاقات والده، لم يبتعد كثيرا هو أيضا عن هذا التمشي. وفي المنتدى الذي انعقد في هذا العام، تم تقديمه في سيرته الذاتية على أنه رجل سياسة.

ولهذا فإنه في حالة الشيخ بن بية على الأقل، لا يمكن تناول حديثه عن أفكاره السياسية بمعزل عن سياق حياته. حيث أنه شخص يتمتع بتجربة عميقة في عالم السياسة، ولذلك فهو على وعي تام بأبعادها وتأثيراتها على أرض الواقع.

الشيخ بن بيّه في لقاء مع إيفانكا ترامب في 2017
يرتبط الكثير من حديث هذا الشيخ بعالم ما بعد الربيع العربي، وهو الإطار الذي يندرج فيه الكثير من خطابه السياسي مؤخرا. حيث أن دعوات بن بيّه ركزت على السلام قبل العدالة، وهو يروج لمبدأ "لا خروج عن الحاكم"، ويعتبر هذا المبدأ هو القاعدة الأساسية التي تحدد علاقة الشعب بالسلطة. وفي هذا المنتدى الأخير، نقل عن بيّه قوله: "في المجتمعات التي لا تزال غير جاهزة، فإن الدعوات للديمقراطية هي في جوهرها دعوات للحرب."

ولو أن هذه التعليقات صدرت عن شخصية غربية، لتم التنديد بها واتهامها مباشرة بمساندة الاستبداد، وتبني أفكار الاستشراق. وما يعنيه بيّه من خلال هذا الخطاب، هو أن الشعوب في الشرق الأوسط لو أنها استوعبت كونها غير جاهزة للديمقراطية، والتزمت بطاعة من ظلوا يحكمونها لوقت طويل، فإنه لا شيء من الفوضى وسفك الدماء الحالي كان سيحدث.

وهذا يعتبر فهما خاطئ لأسباب ما يعرف بالربيع العربي، ويضفي شرعية دينية وقوة على الثورات المضادة الخبيثة، التي خططت لها الأنظمة الديكتاتورية التي تعمل الآن تدريجيا على إعادة كتابة تاريخ تلك الانتفاضات الشعبية، وتسعى لإحكام قبضتها على البلدان التي تحكمها. ودعونا لا ننسى أن ما نشهد الآن في المنطقة ليس مجرد حالة عادية لأناس يطالبون بالديمقراطية، بل هي إرهاصات عقود من الاستبداد السياسي، وسوء الحوكمة، والتدخل الغربي.

بعبارات أخرى فإن تلك الواجهة المزيفة للاستقرار التي سبقت الربيع العربي، وكانت تغطي على تفاقم الانتهاكات والاستبداد بالسلطة وانتشار الظلم، هي بحد ذاتها سبب انعدام الاستقرار في الوقت الحالي. وبهذا الشكل، فإن هذا "السلام" الذي يتحدث عنه المنتدى، يشبه إلى حد كبير ذلك "السلام" الذي تقدمه إسرائيل، حليفة الإمارات والسعودية، للشعب الفلسطيني، وهو سلام مضلل، ويتسم بالعنف.

تحليل خطابات هذين الشيخين وتصريحاتهما يظهر أن ما يقصدانه بالايديولوجيا هو في الواقع الإسلام السياسي

يمكن أن نستقي تبريرات هذا الموقف من واحد من الكتب العديدة التي ألفها الشيخ بن بيّه. وقد قام حمزة يوسف مؤخرا بترجمة هذا الكتاب، الذي يحمل عنوان "ثقافة الإرهاب: التشخيص والحلول". هذا الكتاب يبدأ بالتأكيد على أن الإرهاب هو ظاهرة معقدة ولها أسباب عديدة، وسرعان ما يحدد السبب الرئيسي للإرهاب، على أنه الإيديولوجيا.

فصل السياسة عن الأخلاق
باختصار، يقول هذا الشيخ إن الأفكار لها تبعات قوية، وأن العنف يتولد من الأفكار العنيفة. ولكن هذا يطرح نفس السؤال الأزلي: من الذي جاء أولا الدجاجة أم البيضة؟ هذا السؤال يطرح بشكل خاص عندما نتحدث عن دول مثل سوريا والعراق، التي تعرضت لفترات طويلة من العنف. فهل أن هذا العنف هو نتاج للإيديولوجيا العنيفة، أم إن تلك الايديولوجيات العنيفة هي نتاج للمحيط الذي كان يتسم بالعنف؟

إن تحليل خطابات هذين الشيخين وتصريحاتهما يظهر أن ما يقصدانه بالايديولوجيا هو في الواقع الإسلام السياسي. ففي رواية الشيخ حمزة يوسف، يعتبر فكر الإسلام السياسي متأثرا بالماركسية، وهو ما يجعل أتباع هذا الفكر يبحثون عن المدينة الفاضلة في الأرض. ويرى هذا الشيخ أن المسلم الحقيقي يدرك أن مدينته الفاضلة موجودة فقط في الجنة.

من خلال جعل المدينة الفاضلة تقتصر على الأفكار والخيال فقط، فإننا نوفر الذريعة لإقصاء هذه الفكرة من حديثنا حول السياسة. ومن الطبيعي أن هذا الموقف يناسب كثيرا الأنظمة القائمة. فنحن بناء على هذه الفكرة يمكننا أن نناقش مضار ومخاطر داعش دون أن نضع هذا ظهورهذا التنظيم في سياق الغزو الأمريكي للعراق.

هذا التركيز الذي يصل إلى حد الهوس بالايديولوجيا، والذي يهدف إلى تقويض الربيع العربي، لا يفسر فقط تحالف الإمارات والسعودية مع إدارة ترامب، بل يفسر أيضا مغازلة هذين الشيخين لليمين في الدول الغربية. إذ أن المنتدى الأخير، شهد حضور سارة خان، رئيسة لجنة مكافحة التطرف في بريطانيا، وهي من أبرز الداعمين لفكرة "السياسة الوقائية" التي دعت المدرسين لتقصي علامات التطرف لدى الأطفال، وهي لم تكتف بالحضور بل تم أيضا منحها جائزة على عملها.

هنالك اختلاف كبير بين أن تقوم الإمارات والسعودية واليمين الأمريكي بانتقاد الإسلام السياسي بكل بساطة، وأن تصل الأمور إلى أبعد من ذلك حيث يتم جعل هذا الدين فزاعة لتخويف الناس في كل مكان.

هنالك سلسلة من التصريحات السياسية الغريبة التي تعرف فكر هذين الشيخين. وعلى سبيل المثال، فإن حمزة يوسف أشار إلى ترامب على أنه خادم الله، وفي المقابل فإنه لم يتطرق أبدا إلى قرار ترامب بحظر سفر المسلمين إلى الأراضي الأمريكية، والذي سارعت الإمارات حينها إلى دعمه.

كما هنالك اختلاف كبير بين أن تقوم الإمارات والسعودية واليمين الأمريكي بانتقاد الإسلام السياسي بكل بساطة، وأن تصل الأمور إلى أبعد من ذلك حيث يتم جعل هذا الدين فزاعة لتخويف الناس في كل مكان، وذريعة للترويج لقوانين وحشية، وشن حروب وفرض إجراءات أمنية. إذ أن "غول" الإسلاميين يتم استخدامه كذريعة عند ارتكاب انتهاكات الإسلاموفوبيا في الدول الغربية. وبالنسبة لأبو ظبي والرياض، إذا كان الحصول على دعم الغرب يعني التغاضي عن الإسلاموفوبيا والعنصرية، والتضحية بالجالية الإسلامية في الغرب، فإن هذا مسموح.

سنة 2014، كانت الإمارات العربية المتحدة قد صنفت مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية كير على أنه منظمة إرهابية، رغم أنه الهيكل الذي يقدم الدعم القانوني للمسلمين، الذين يتعرضون للإسلاموفوبيا من قبل المواطنين وحتى السلطات الأمريكية في بعض الحالات.

سار السيناتور الأمريكي تيد كروز على نفس هذا النهج، حيث أنه حاول في عدة مناسبات تقديم مشاريع قوانين لتجريم الإخوان المسلمين، موضحا أن منظمة كير، إلى جانب العديد من المنظمات الإسلامية الأخرى البارزة، سوف تقع تحت طائلة هذا القانون في حال المصادقة عليه. وأنا أتفهم تماما الصعوبة التي يواجهها الكثيرون في فهم حقيقة هذا النوع من علماء الدين، إذ أن المسلمين يرفعون علمائهم إلى درجة عالية، ويعتبرونهم ورثة الأنبياء. ونحن نريد دائما النظر إليهم كلهم بطريقة إيجابية ونبيلة.

ولكن في النهاية، فإن العلاقة بين العالم والمسلم العادي هي مجرد "علاقة".
إذا كان المشاركون في هذا المنتدى صادقين في نواياهم للدعوة إلى السلام، ووضع حد لسفك الدماء في المنطقة، عوضا عن الظهور العلني في هذه المناسبات الفاخرة والتجرؤ على إقامة علاقات علنية مع هذه الأنظمة، يجب عليهم أن يحملوا رسالة الدعوة إلى العدالة والحوكمة الرشيدة، وتكون أفعالهم متماهية مع هذه المبادئ.

ومن أبرز سمات العلاقة الإيجابية بينهما هنالك وضع حدود والقيام بالمحاسبة. وإذا لم يكن التجرؤ على إقامة علاقات علنية مع نظام دكتاتوري يقوم حاليا بتجويع 12 مليون شخص، هو مناسبة لوضع خط أحمر، فمتى سنقوم بوضع هذه الحدود؟

وبينما يبدو أن الفكر السياسي لهذا الشيخ يقترح علينا أن السلام لا يمكن تحقيقه إلا من خلال قبول الدكتاتورية، فإن كتاب بن بيّه يقدم لنا بديلا. حيث أنه في الصفحة العاشرة يذكر قصة الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي عند سماعه بثورة الخوارج كتب إلى نائبه يطلب منه القضاء على هذه الفتنة في نطاق العدالة.

وإذا كان المشاركون في هذا المنتدى صادقين في نواياهم للدعوة إلى السلام، ووضع حد لسفك الدماء في المنطقة، عوضا عن الظهور العلني في هذه المناسبات الفاخرة والتجرؤ على إقامة علاقات علنية مع هذه الأنظمة، يجب عليهم أن يحملوا رسالة الدعوة إلى العدالة والحوكمة الرشيدة، وتكون أفعالهم متماهية مع هذه المبادئ.
 

المرفقات

المرفق نوع المرفق تنزيل
ازدواجية الخطاب لدى حمزة يوسف وعبد الله بن بيّه doc
ازدواجية الخطاب لدى حمزة يوسف وعبد الله بن بيّه pdf

التعليقات

اضف تعليق!

اكتب تعليقك

تأكد من إدخال جميع المعلومات المطلوبة.

;

التصنيفات


أعلى